قضايا الوطن

تشات جي بي تي وداعا للإبداع البشري

“تشات جي بي تي”.. وداعاً للإبداع البشري

تصوُّرنا خطأ بأن التكنولوجيا وما أتت به من تحوّلات طالا كل شيء، أنها ستكون مصدر دعم علمي وتقني ومعلوماتي للإنسان، ولم نتخيّل يوماً أنها ستصبح مارداً جباراً يهزم العقل والنفس البشرية.
التكنولوجيا بشكل عام ترمز إلى أي محاولة من قِبَل الإنسان لتسخير الموارد بِهَدَف خدمته وتحسين ظروفه المعيشية، وانطلاقاً من تعريف كهذا يمكن القول إن اكتشاف الإنسان منذ أكثر من مليونَي عام إمكان انقسام الحجر الصوَّان وجَعْلِ طرفه حاداً لاستخدامه في أغراض مختلفة يُعتبر تكنولوجيا، تطوّرت في ما بعد إلى تقنية اكتشاف النار والتي دخل الإنسان على إثرها مرحلة جديدة من التطور البيولوجي والاجتماعي والثقافي، إلى أن وصل الإنسان إلى حقبة العصر الحديث وما أنتجته التكنولوجيا من أدوات ومفاهيم أصبحت مُستَخدَمة في حياتنا الحديثة، وإلى أن خرج بعضها عن قدرة البشر على استيعاب مثل هذه التحولات، وكما حدَثَ مع برنامج ChatGPT، الذي أصبح يطرح تساؤلات حول قيمة العقل البشري مستقبلاً في مقابل العقل الإلكتروني.
و”تشات جي بي تي” هو برنامج أطلقته شركة Open AI عبارة عن روبوت محادثة يمكنه الرد والإجابة بطريقة تُحاكي سلوك البشر، ومنذ إطلاقه في نوفمبر من العام الماضي، والجدل بشأنه لا يتوقف بين أن يكون داعماً للعلم والمعرفة من خلال قدرته على إنتاج محتوى فائق الجودة والابتكار، وبين احتمال تأثيره في بعض المهن كالتعليم مثلاً، خاصة في ظل قدرته الفائقة على كتابة محتوى متكامل بإمكان الطالب استخدامه مباشرة وبالتالي اختصار جهد التفكير والإبداع.
“تشات جي بي تي” يُشكّل البداية فقط في تحوّل نوعي أزال الحواجز والحدود بين المحتوى الواقعي أو البشري من جهة والافتراضي من جهة أخرى، وحتماً ستكون هنالك شركات تكنولوجيا أخرى ستعمل على تطوير ما أتت به شركة أوبن آي إي، وهو بالفعل ما أعلنت عنه “غوغل” وغيرها.
مثل هذه البرامج ستعمل حتماً على قلب مفاهيم وأمور كثيرة في حياة البشر، حتى أن بعض الخبراء توقعوا أن عام 2022 هو العام الأخير الذي سيشهد إنتاجاً للمحتوى من قِبَل البشر، فالبرنامج قادر ليس على سرد محتوى فحسب، بل كذلك على إنتاج عمل روائي، وسرد أبيات من الشعر، إضافة إلى إنتاج الخوارزميات والقيام بمهام الترجمة، حتى أنه شارف على اجتياز امتحان طبي صعب في الولايات المتحدة مؤخراً، كما أنه طرح 15 كتاباً ورواية من 119 صفحة تُباع على تطبيق أمازون بدولار فقط.
بحسب خبراء فإن برنامج تشات جي بي تي لا يخلو من عيوب، لكن في المقابل هنالك من يؤكد أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قادرة على تجاوز تلك العيوب، فهي لا يمكن أن تتوقف عند تقنية معينة، ومثلما أن الإنسان القديم تجاوز تقنية الحجر الصوّان الحاد، واقتحم عالم اختراع النار، كذلك ستتجاوز تكنولوجيا اليوم كل العقبات.
المثير أن مجلة فورتشن قد سألت برنامج تشات جي بي تي عن الوظائف التي يمكن أن يشغلها، فأجاب وبشكل مقتضب إنه “غير قادر على التنبؤ بالمستقبل”؛ لكنه أضاف أن هنالك “بعض المهام التي يؤديها البشر حالياً والتي قد تصبح مُبَسّطة آلياً بواسطة تكنولوجيا مشابهة له”.
وفقاً لمثل هذه التطورات في التكنولوجيا، يبدو المستقبل البشري غامضاً ومبهماً، فمثل هذه البرامج أصبحت تحاكي العقل البشري في إبداعه وإلهامه وخياله وفنونه وأدبه وشعره وغير ذلك من مَلَكات العقل التي طالما مَيّزت الإنسان وفرضت الفروقات، فهل يمكن أن يُفرز مثل هذا التطور عقلاً افتراضياً يتفوق على العقل البشري ويكون موحَّداً في إدراكه ووعيه وإبداعه وحتى أحلامه وخياله؟ مستقبل مبهم ومخيف في آن واحد.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى