التشكيلية بانا عبدالرحمن: تستعد لإقامة معرض في مبنى الأمم المتحدة
أجرت الحوار: سعاد المعجل (فيينا)

مرسمي هو صومعتي ألجأ إليه عندما تتأزم حياتي
سبق أن عرفتها الصحافة في كل أرجاء الوطن العربي الفنانة بانا عبدالرحمن، وقدمتها للجمهور من خلال معارض اختزلت فيها بانا كل ملامح الحياة العربية بفنونها وسياساتها ومعاناتها، بل وحتى في حروبها.
درست بانا عبدالرحمن فنون الدعاية والإعلان في كلية بيروت الجامعية بلبنان، عملت بعدها في عدد من شركات الإعلان المحلية والعالمية في لبنان والكويت، تعيش حالياً مع أسرتها في فيينا، عاصمة جمهورية النمسا.
واصلت دراستها للفنون التشكيلية في بيركلي وسان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية، في مارس عام 1995 عرضت مجموعة كبيرة من أعمالها في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة، وفي مايو 1996 عرضت مجموعة أخرى من أعمالها في الكويت بدعوة من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، كما عرضت في يوليو 1996 وبدعوة من المجلس الوطني للعلاقات الكندية العربية مجموعة من أعمالها في متحف الفنون المعاصرة بمونتريال في كندا، كما شاركت بأعمالها في العديد من المعارض وصالات العرض الخاصة بالقاهرة، وفي عام 1997 عرضت مجموعة من أعمالها في مركز تكنولوجيا المعلومات للحفاظ على التراث.
في عام 1999 عرضت مجموعة كبيرة من أعمالها بدار الأوبرا المصرية في القاهرة، وبالجامعة الأمريكية في القاهرة، كما استضافتها وزارة السياحة في لبنان في عام 2001 ضمن مهرجان بيروت العاصمة الثقافية، وفي عام 2002 قدمت بانا عبدالرحمن مجموعة من لوحاتها في مقر الأوبك في العاصمة النمساوية فيينا.
لقاء بانا عبدالرحمن جاء مختلفاً عن اللقاءات التقليدية مع الفنانين والرسامين، لأنها امرأة مختلفة، فهي تجمع في شخصها كل النساء العربيات، وتحتضن بقلبها كل الهويات العربية، وكل مشاكل الأمة.
في أي مجالات الرسم تبدع بانا عبدالرحمن؟
أركز في لوحاتي على كل ما يتعلق بالتراثيات، فأكثر ما يحرك ريشتي هو الإنسان، حركته وانفعالاته وكل ما يحركه من الداخل، إن معيار النجاح في أي لوحة أرسمها هو مدى تجسيدها للحركة والإيماءة، ولكل ما يختبئ في النفس البشرية كما أنني أحرص في لوحاتي على إحياء التراثيات العربية التي تحركني بشكل كبير، حتى إن أول معارضي في القاهرة خرج تحت اسم “أبواب ونوافذ على تراثياتنا العربية”، وقد استضافته دار الأوبرا المصرية، لقد رسمت ملامح من الوطن العربي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
هل الرسم هبة أم أنه نشاط يمكن اكتسابه وتعلمه؟
الرسم بلا شك هبة من رب العالمين، لكن ذلك لا يلغي دور العلم في هذا المجال، فالرسام الذي ولد بمثل هذه الهبة عليه أن ينميها ويصقلها بدراسة الأساسيات في الرسم، قد تكون للفنان قدرة على الإحساس بما حوله أكثر مما لدى الإنسان العادي، فالفنان يرى ويسمع وينفعل فيرسم، فهو لا يستطيع أن يفصل بينه وبين ما يدور ويحدث في واقعه، وريشة الفنان لا تكون صادقة إلا إذا جسدت انفعالاته وأحاسيسه.
ما هي أهم المعارض التي شاركتِ فيها؟ وأي تلك المعارض أقربها إلى قلبك؟
شاركت، ولله الحمد، في العديد من المعارض في الكويت وفي بيروت والقاهرة وكندا وفيينا، وكلها معارض أعتز بها، ولا أتصور أن هنالك معرضاً أقرب إلى قلبي من معرض آخر، كلهم أولادي، ولا مكان للتفرقة في قلب الأم.
الفن رسالة.. إلى أي مدى تشعرين أنك أديتِ رسالتك؟
كما أشرت من قبل، فإن الفنان الذي لا يعكس واقعه بكل ما يحويه من أحداث ومشاكل يكون مقصراً في رسالته، وأتصور أنني قد نجحت إلى حد ما في تجسيد أحداث ومشاكل الوطن العربي في أغلب لوحاتي.. إن رسالة الفنان هي أشبه برسالة الكاتب، كلاهما يقدم عرضاً لقضايا تشغل الناس.
كما أن الرسام يسعى لأن يدخل البهجة والفرح في نفس المتأمل في لوحاته.
هل هنالك اختلاف بين الريشة الشرقية والريشة الغربية؟
الريشة هي الريشة في كل مكان وبيد كل فنان، لكن ما يختلف في الريشة الغربية هو تسخير التكنولوجيا لإبراز الطابع الشرقي، وهو أسلوب أسعى دائماً لأن أتبعه في فني.
ما أحب الألوان إلى قلبك؟
أحب كثيراً اللون الأبيض وقد استخدمت تكنيكاً في طبع بعض الرسوم والأشكال على الأقمشة مزجت فيه الأبيض على الأبيض، وكانت النتيجة مبهرة وأعجبت الكثير من أصدقائي الفنانين الذين كانوا قد شككوا في نجاح استخدام اللون الأبيض فوق الأبيض.
لكن الفنان، وكما ذكرت، يتأثر بالأحداث من حوله وتتأثر ألوانه كذلك، وقد لمست ذلك في التحول الكبير الذي طرأ على ألواني مع تدهور الأوضاع السياسية في عالمنا العربي.
هل يمكن أن يشكل الرسم أو الفن مصدر دخل للفنان؟
ممكن جداً، بل إن الكثير من الرسامين يعيشون على مدخول لوحاتهم، لكن ذلك يتطلب تفرغاً تاماً للرسم.
من يقيم لوحاتك؟
الجمهور هو الحكم الأول في عملية التقييم هنا، ولا أعني التقييم المادي وحسب، وإنما التقييم الفني والجمالي إن كل شخص له تقييمه الخاص بأعمالي، وأنا أعتز بهم جميعاً سواء كانوا أطفالاً أم أصدقاء أم صحافيين أم أعداء إن وجدوا.
هل تبيعين كل لوحاتك، أم أن لبعض اللوحات ذكريات شخصية غير قابلة للبيع؟
لوحاتي كما ذكرت هي بمنزلة أولادي، لكنها تفوق الثلاثة آلاف لوحة، ولن أتمكن بالطبع من احتضانها جميعاً، لقد بعت الكثير، ولله الحمد، وأكثر ما يسعدني هنا هو عندما أبيع لوحة في معرض لشخص لا يعرفني ولا أعرفه، لأني أعتبر ذلك قمة التقدير لما تجسده اللوحة، ورغم هذا فكثيراً ما حزنت لمفارقة لوحات احتضنتها لزمن ولم أنسَ أبداً كيف بكيت بحرقة – ولا أزال – على أول ثلاث لوحات بعتها، لا تزال لدي مجموعة شخصية لها ذكريات أرفض أن أفرط بها مهما بلغت قيمة العرض.
كيف تأثر فنك بالأحداث السياسية في المنطقة العربية؟
لا يختلف اثنان على مأساوية الواقع العربي، لقد انعكس الواقع العربي المؤسف وبشدة على لوحاتي وألواني في العامين السابقين، ولن أنسى كيف داومت في حقل الروضتين لأرسم حرائق النفط في الكويت، ولأخرج بمعرض كامل لتلك الحرائق، وقد بيعت كل لوحات المعرض لشركات بترول من أرجاء العالم كافة.
إنني إنسانة متفائلة ولا يزال تفاؤلي، والحمد لله، فاعلاً على الرغم من كل التدهور الذي يشهده العالم العربي، إنني كفنانة لا أزال أرى الضوء في نهاية النفق المظلم.
لماذا يستعين الفنان أحياناً بالرمز في لوحاته؟ وهل يعكس ذلك خوفاً من مواجهة الواقع؟
قد يعكس الرمز في لوحات أي فنان رفضاً للواقع وليس خوفاً منه، لقد استعنت بالرمز في لوحاتي التي تجسد الواقع السياسي العربي لأنني أرفض هذا الواقع غير المنطقي وغير العادل.
أشخاص أثروا في فنك من هم؟
لقد تأثرت كثيرا ب فان غوخ، وأيضاً برافييل، وبدافنشي، ومن العرب بمنصور أحمد.
الرسم علاج نفسي إلى أي مدى تلجأين إلى ريشتك للهرب من مشاكل الحياة؟
مرسمي هو صومعتي التي ألجأ إليها حين تتأزم الحياة، ولعل ما يميز الفنان أنه يرى ويسمع أكثر بكثير من الآخرين، لذلك تأخذ المشاكل في حياة الرسام أبعاداً عميقة، لكنه أيضاً يملك رؤية للحل قد لا يملكها الآخرون، فالتفاؤل جزء من هوية الفنان وهو جزء مهم في رسالته.
هل للمرأة العربية حيز من إبداعاتك؟
أنا امرأة قبل أن أكون رسامة، وللمرأة العربية بالطبع حصة كبيرة جداً في أعمالي، فأنا أرى فيها الأم والزوجة والحبيبة والابنة والأخت والصديقة، كما أن لقضايا المرأة العربية حيزاً كبيراً في وعيي كفنانة وكامرأة.
ما النصيحة التي توجهها بانا للرسامين المبتدئين؟
كما ذكرت في بداية اللقاء الرسم موهبة لكنه أيضاً علم! فالموهبة يصقلها العلم في أساسيات الرسم وخطوطه وألوانه إلى آخره، وعلى الفنان المبتدئ أن يبدأ في متابعة علوم الرسم من ألفها إلى يائها.
هل هنالك مشاريع معارض مقبلة في الكويت؟
للكويت منزلتها الخاصة عندي لكونها أولاً بلدي ووطني، ولأنها ثانياً تزخر بالمواضيع المغرية للرسم، لقد رسمت لوحات من فيلكا ومن القصر الأحمر في الجهراء، وكنت أحمل دفتر الاسكتش وأتجول في أحياء المرقاب القديمة لأرسم بعض ملامح الكويت في الماضي.
ولن أنسى يوم رسمت لوحة لأحد بيوت المرقاب القديمة الذي جرى هدمه فيما بعد وبكل أسف، وحين عرضت اللوحة في صالة الفنون بمنطقة ضاحية عبدالله السالم ضمن مجموعة لوحات تقدمت نحوي سيدة كبيرة في السن ترتدي العباءة وتغطي وجهها بالبوشيه، وقالت من خلف دموعها وهي تشير إلى لوحة البيت القديم في المرقاب: “لقد أنطقتي الحجر يا ابنتي، إن هذا بيتي القديم”. يومها لم أتمالك دموعي، فلا شيء يسعد الرسام بقدر إحساس الآخرين بريشته وبلغتها المجسدة في ألوان وحركة وموسيقى اللوحة.
لدي إن شاء الله مشاريع مستقبلية لإقامة معارض في الكويت كما أنني سأشارك الكويت في احتفالاتها بعيدها الوطني المقبل من خلال مجموعة لوحات تعرض في مبنى الأمم المتحدة بناء على دعوة من سفيرتنا الدائمة في الأمم المتحدة الأخت نبيلة الملا.



