الأرشيف

ترويض المرأة

[جريدة القبس 11/6/2000]

يختلف الناس في تقييمهم وفي نقدهم وفي آرائهم عند الحديث عن الدكتورة نوال السعداوي، فهي كامرأة وكطبيبة وكسياسية وككاتبة قد أثارت ولا تزال تثير الكثير من الجدل المصحوب بهجوم شرس في أحيان كثيرة، خاصة من قبل الأحزاب والتكتلات الإسلامية في عالمنا العربي بشكل عام، لكن ذلك الخلاف الذي تثيره آراء وشخصية الدكتورة نوال لا يشكل اختلافاً حول مكانة الدكتورة العلمية ولا في عطائها الأدبي ومواقفها السياسية!
فالدكتورة نوال السعداوي أنتجت واحداً وثلاثين كتاباً، بينها عشر روايات، وقد ترجمت كتبها إلى خمس وثلاثين لغة أجنبية، كما استخدم الكثير من طلبة العلم إصدارات الدكتورة في دراستهم للدكتوراه، وفي رسائلهم البحثية لنيل الشهادة العليا!
وللدكتورة موقفها ورؤيتها الخاصة في ما يتعلق بوضع المرأة العربية اجتماعياً وسياسياً! حيث ترفض نوال السعداوي تجزئة المعرفة، على حد تعبيرها، فتربط بين القهر الجنسي للمرأة والقهر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وبين القضية السياسية العربية والعالمية!
ترى الدكتورة نوال أن مشاكل المرأة العربية سياسية وليست نسوية! وهي وجهة نظر تتفق حولها شرائح كثيرة في مجتمعاتنا العربية من التي ترفض تجزئة واقع المرأة أو عزله عن واقع المجتمع بشكل عام! فالحديث عن حقوق المرأة أو عن دورها في المجتمع السياسي وغيره، أو عن مشاكلها وظروفها يحمل ضمناً إقراراً بدونية المرأة، وبعجزها وبانغلاقها عن المجتمع بصورته المتكاملة والشاملة للجنسين معاً! لا شك أن مشكلة المرأة العربية، وبشكل عام، تكمن في أنها قد تمزقت وعجزت عن تحديد أولوياتها، كما أنها تجاهلت تلك المسائل والأمور (الصغيرة) التي أدى تراكمها إلى انغلاقها وانعزالها سياسياً! فمن الشاذ جداً أن لا يحق لامرأة مثل الدكتورة نوال السعداوي، مثلاً، إنجاز معاملات قانونية دون استشارة الزوج وإذنه! ومن اللامعقول أن لا تملك امرأة، مهما بلغت من العمر ومن التعليم، الحق في الانفصال عن زوجها أو في تأمين أي من الحقوق الشرعية التي كفلها لها الدين.
لقد وقعت قضية حقوق المرأة ضحية لذلك الاختلاف في رؤية وتحديد الأولويات، فبينما هنالك فريق يرى في حقوق المرأة السياسية، خاصة الانتخابية مطلباً أساسياً، بل وأولوياً في سلم الأولويات “يرى فريق آخر أن للحقوق الاجتماعية والشرعية أولوية قصوى وأهمية تفوقان كل شيء”!
وفي هذا الاختلاف تكمن مشكلة المرأة الحقيقية! فنحن لم نسمع من قبل عن حقوق جزئية للرجل، ولا عن مشاكل تتعلق بالرجل وحدهِ، حيث تم اختزال ذلك كله تحت مظلة الحقوق البشرية بشكل عام وهو أمر بات على المرأة إدراكه والعمل وفق شروطه ومتطلباته! لقد أدت مثل هذه التجزئة لقضايا وحقوق المرأة إلى تقليص مؤسف للحق البشري للمرأة! فلقد أصبحت حقوق المرأة وفقاً لذلك المنطق حقوقاً في الزواج والطلاق وحضانة الأبناء وحقوقاً في السفر وفي الملبس! فكان أن استثنت المجتمعات العربية المرأة من حق التعبير وحرية الفكر والرأي وحق المساهمة في تغيير المجتمع أو في إصلاحه أو تقويمه! فكانت النتيجة أن أفرزت مجتمعاتنا مثقفات مثل الدكتورة نوال السعداوي يتحدثن في الحرية، ولا يمارسنها! وأديبات وشاعرات لا يملكن الحق في تغيير أسرهن، ناهيك عن تغيير المجتمع! ومن هنا يمكننا القول إن المجتمع العربي لم ينجح في شيء كما نجح في ترويض نشاط المرأة وحصره في جلسات الشاي وحواراته!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى