ترميم الدماء قبل إعادة الإعمار

ترميم الدماء قبل إعادة الإعمار
للحروب بلا شك أوجه قبيحة كثيرة، لكن أقبحها على الإطلاق ما يفعله مرتزقتها، وهم كُثُر، من شركات إعمار وبناء إلى رؤوس أموال شرهة، واستثمارات متحفزة للانقضاض على تركة الدمار بعد الحروب. ففي الأسبوع الماضي وخلال جولته في عدة دول عربية، يصرّح بلينكن، وزير خارجية الولايات المتحدة، بأن كثيراً من دول المنطقة مستعدة للاستثمار في جهود إعادة الإعمار ودعم الفلسطينيين في حكم وطنهم، وبالطبع لم يتحدث الوزير الأمريكي عن الجهات المسؤولة عن إعادة إعمار الدماء والأشلاء، فهذه أضرار جانبية للحروب لا يمكن تفاديها، ولم يتناول في حديثه حدود (وطن الفلسطينيين) الذي ذكره في تصريحه، فتلك مسألة عابرة سيتم حلها مع الإعمار والازدهار المنشود في غزة على يد الشركات العملاقة التي تبدأ عادة في رصد أرباحها مع بداية كل حرب. شهدنا ذلك في إعادة إعمار الكويت بعد الغزو في طوفان من الشركات التي تقاسمت حصصها من إعادة البناء، ثم تكرر المشهد في العراق بعد أن دمرته الحروب وتقاسمته فيما بعد الشركات الضخمة، وفي كل الحالات تتشابه إلى حد التطابق في الهوية والشكل والأهداف، تلك الجهات المسؤولة عن شن الحروب واندلاعها، مع الجهات التي تتقاسم (فوائد) الحروب من إعمار وبناء وطرق ومنشآت وغيره.
في الخمسينيات اشتهر الدكتور أوين كاميرون الشهير في أوساط الأطباء النفسيين بتجاربه التي كانت تابعة لوكالة الاستخبارات الأمريكية، وبالرغم من النقد الشديد الذي واجهته تلك التجارب، إلا أن كاميرون أنجزها آنذاك، حيث استخدم العلاج بالصدمات الكهربائية والعقاقير المخدّرة على مرضاه ومن دون الحصول على موافقتهم، وذلك بهدف غسل الدماغ ومحو الأنماط، بمعنى آخر تحويل أدمغة هؤلاء المرضى إلى صفحة بيضاء يمكن إعادة كتابة المعلومات عليها. مثل هذه التجارب الطبية أوحت لعالم الاقتصاد الأمريكي ميلتون فريدمان بنظريات شيطانية تشرح كيف يمكن للحكومات أن تفتعل الكوارث والأزمات مُستَخدِمة ما يُسمى بالعلاج بالصدمة الاقتصادية، فريدمان الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد يقول: “إن الأزمات فقط، حقيقية أو مُتَصوّرة، تُنتِج تغييراً حقيقياً، وبما أن الأزمات والكوارث تُنتِج تغييرات محورية ومهمة عند حدوثها، فإنه يجب استغلالها لمصلحة الحكومة أو لتحقيق أهداف مُعيّنة، وفي حال عدم وجودها فإنه يجب افتعالها وصُنعها ومن ثم استغلال نتائجها”. انتهى.
لا حاجة للخوض في نظريات المؤامرة فذلك حديث يطول، لكن من الضرورة هنا التذكير بأن شركات إعادة الإعمار أو أصحاب (الصدمة الاقتصادية) قد تجاوزوا في جشعهم أدنى مقومات الأخلاق والتعاطف البشري في حديثهم اليوم عن (إعادة إعمار غزة)، بينما لا تزال شوارعها رطبة وساخنة بفعل آلاف المدنيين العُزّل الذين استشهدوا فوق ترابها.
قد يكون في هذا الحديث شيء من الرفاهية الفكرية، والمثالية السياسية، لكنه يبقى حديثاً مستحقاً وواجباً خاصة في الاستمرار بخداع المنطقة وشعوبها بثنائية الحروب والإعمار والتي لم تتوقف لأكثر من أربعة عقود، شهدت معها المنطقة بأسرها دماراً غير مسبوق.
تم استخدام منطق (العلاج) بالصدمة الاقتصادية أو إعادة الإعمار في أكثر من دولة ومع أكثر من شعب، سواء في أمريكا الجنوبية أو بعض دول الشرق الأقصى، وبالطبع في كل حروب وكوارث منطقة الشرق الأوسط، تم خلالها أولاً إلغاء ذاكرة الشعوب وفقاً لنظرية عالم النفس كاميرون، ثم تطبيق رؤية عالم الاقتصاد كاميرون بالعلاج بالصدمة الاقتصادية، والتي لم تنتج عنها حتى الآن، وفي كل الدول التي تعرضت لها، أي فوائد أو عوائد حقيقية، والأمثلة كثيرة تمتد من سوريا إلى العراق وتشيلي والبرازيل واليمن والسودان وغيرها.
قد لا يقع اللوم على الشركات المتعددة الجنسيات التي أصبحت بمثابة دول بلا أعلام، لكن اللوم كله يقع هنا على دول يُفتَرَض أنها تشترك مع غزة في المصير والتاريخ، ودول عانت من كوارث شبيهة بما يحدث لغزة اليوم.
قطعاً سيأتي يوم يهدأ فيه غبار الحرب، لكن هذا اليوم وطبقاً لتطورات الحرب على غزة لن يكون قريباً فالحرب المجرمة لا تزال ماضية في التمدد، ولا يزال الجرح رطباً والدماء فائرة، وأعداد الشهداء في التزايد، ومعها يكون الحديث عن إعمار غزة مؤلماً وجارحاً، ولن يكون مقبولاً ما لم يسبقه أولاً إعادة إعمار الدماء المسفوكة، والجراح المفتوحة، والمصير المستقبلي المفقود، وكل حديث بغير ذلك يكون مؤقتاً ووقتياً لا أكثر.
