القضية الفلسطينيةملفات ساخنة

تحية للفريق الطبي الكويتي

تحية للفريق الطبي الكويتي

وسط هذا الكم الهائل من التفاهة والسطحية التي سادت أغلب المجتمعات البشرية وعزّزتها وسائل التواصل الاجتماعي بما تحمل من تدنٍ في ذوق وتوجّه واهتمام الناس، وفي ظل عالم أخرس عن جرائم الكيان الصهيوني التي عبثت بأدنى مقومات الأخلاق والفطرة البشرية، تأتي الزيارات التي يقوم بها الفريق الطبي الكويتي إلى غزة لتنتشلنا نوعاً ما من بؤرة التفاهة وتنثر على الجميع بذوراً لمعنى مختلف للحياة أصبح العالم يتوق إليه بعد أن افترسته آلة الحروب والجشع والاستهلاك الأعمى والتفاهة.
الفريق الطبي الكويتي الذي ناصَرَ غزة وأهلها ومرضاها وأطباءها، كان بذرة من تلك البذور التي تساعدنا في تجاوز بؤرة التفاهة بعض الشيء.
أكثر ما يؤلم في حديث الفريق الطبي الكويتي ما ذكره أحدهم من أن أهل غزة وأطفالها كانوا يوجهون لهم التحية باللغة الإنكليزية لأنهم لم يعتادوا رؤية أطباء متطوعين عرب، فأغلب من يأتي متطوعاً إلى غزة هم من الأوروبيين، وتلك مسألة مؤلمة ومحزنة وتطرح العديد من التساؤلات حول حالة الجمود التي أصابت العقل والضمير العربي، وحوّلت شوارعه الهادرة بالتظاهرات إلى شوارع صامتة عن الحق، بينما انشغلت شعوب العرب بالتفاهة من الأمور، والتي أصبحت مع الوقت من أساسيات الحياة، وبحيث انعكس كل ذلك على معنى الحياة وقيمتها في الوعي والعقل العربي.
نشط الفلاسفة والمفكرون عبر التاريخ في تحديد معنى للحياة، ولم يستقر بهم الحال على تفسير أو شرح واحد محدد، وإن اتفقوا جميعاً على أن مسألة بحث الإنسان عن معنى للحياة هي مسألة مشتركة لدى كل البشر وبغض النظر عن خلفياتهم الثقافية أو العرقية أو العقائدية.
تزداد نزعة الإنسان للبحث عن معنى للحياة في الظروف العصيبة وعند الشدائد، ولعل أكثر من عبّر عن تلك الحاجة هو عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل الذي خرج من معاناته في سجون النازية إبان الحرب العالمية الثانية برؤية جديدة للحياة دوّنها في كتابه “بحث الإنسان عن معنى” إضافة إلى تقنية جديدة في العلاج النفسي، حيث أسس مدرسة العلاج بالمعنى والتي استوحى مبادئها من تجربته الذاتية.
بالنسبة لفيكتور فرانكل كانت تجربته مع السجن قاسية، إلا أنه خرج من جحيم تلك المعاناة برؤية مختلفة تقوم على أن معنى الحياة الحقيقي يُولَد من رحم المعاناة، وأن المشاعر في ظل الظروف القاسية والصعبة تجعل الإنسان يتصالح حتى مع الموت، ويتسامى داخلياً عن أمور كثيرة تصوّرها يوماً أساسيات لا تقوم الحياة بدونها، وهو ما عبّر عنه ديستوفسكي يوماً حين قال: “يوجد شيء واحد يروّعني وهو ألا أكون جديراً بآلامي”.
الفريق الطبي الكويتي الذي وجد معنى آخر للحياة في نصرة أهله داخل غزة المحاصَرَة تحدّث أفراده عن مشاهدات يعجز اللسان عن وصفها، لأطفال وشيوخ وأمهات ورجال ونساء لم يَنَل منهم اليأس شيئاً وإنما زرعت الآلام والمعاناة في قلوبهم إصراراً، وبعثت فيهم وعياً مختلفاً لمعنى الحياة، ورأينا كيف عمل شباب أهل غزة المحاصَرَة على تنظيف شوارعهم من الحجارة المتناثرة بفعل القصف الهمجي، وكيف أنهم حوّلوا جدران منازلهم المدمَّرة وصبغوها بألوان مشرقة مع عبارات ترحب بقدوم شهر رمضان.
الإنسان مخلوق يبحث عن معنى للحياة طوال الوقت، قد يجده في عقيدة أو نظام، أو فكر، أو عدالة، أو في أي شيء آخر، لكنه يبقي باحثاً عن معنى في عالم يُخَيّل إلينا في أحيان كثيرة بأنه بلا معنى، أو عبثي في جوهره. وقد تكون هذه حجة بعض الفلاسفة وتفسيرهم، لكن هنالك مرجعية لمثل هذه الحجة على أرض الواقع، نراها كل يوم في شعوب تنهض من تحت الأنقاض، وفي وعي يتشكّل ويُولَد من قلب عدمية وعبثية الوجود. آخرها كان ما شهدناه ونشهده في غزة الصامدة رغم المعاناة والألم.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى