الأرشيف

تحديات الثاني من أغسطس

[جريدة الطليعة 26/2/1992]

بالرغم من كل ما يحمله يوم الخميس الثاني من أغسطس عام 90 من ذكرى أليمة موجعة وبالرغم من مرارة وقسوة ألم العدوان من الأخ الجار وبالرغم من كل المبادئ والشعارات التي أسقطتها أول طلقة مدفع باتجاه الوطن، وبالرغم من كل المزايدات والمراهنات لتنصيب الثاني من أغسطس ليكون يوم سقوط الوطن بالرغم من كل ما حدث وإذا بالثاني من أغسطس يصبح طاقة هائلة تفجر إرادة التحدي في بناء هذا الوطن وإذا بالدماء تندفع كالبركان في وجه أولئك العابثين الذي كانوا يأملون أن يكون الثاني من أغسطس بداية للاستسلام والخضوع لغطرسة وابتزاز مدعي العروبة وناكري الجوار وإذا بالثاني من أغسطس يصبح منطلقاً لإرادة شعب لا تهدأ وأسطورة تحكي صمود وطن وإذا كان التصميم على الوطن والذي أكده الصامدين بتماسكهم ووثقة النازحون يوم تأزروا في مؤتمر جدة فإن هذا التصميم على تجاوز المحنة والارتقاء فوق الآلام والذي تولد عن أحداث الثاني من أغسطس يفرض علينا تحديات ضخمة وهائلة تحديات على النطاق المحلي والعربي والدولي.
تحديات
إن التحدي الذي جابهنا به الثاني من أغسطس داخل أسوار الوطن تحد يفرض علينا إقامة دولة قوية تقضي على كل مكامن الضعف التي مكنت العدو على المضي في سياسته العدوانية والدولة القوية ليست دولة جيش وعتاد فقط بل دولة حق وقانون ونظام وإدارة ولعلّ في الثاني من أغسطس ما يؤكد لنا حقيقة ذلك فالوطن لم يسقط بسقوط الجيش ولكنه كان يمكن أن يسقط لولا تآزر أبنائه مما يجعلنا نعيد النظر في مدى النجاح الذي حققناه في استغلال ذك الإسهام البشري والذي هو سبيلنا الوحيد لخلق وطن أفضل وأقرب لنفوس أبنائه، إن المشاركة الفعلية والتي بحت الحناجر وهي تنادي بها كانت واقعاً عملياً مارس وطنيته بعفوية تامة إبان الاحتلال البغيض فكم يا ترى نجحنا في استغلالها لقد كان أبناء الوطن جميعهم مساهمين إبان المحنة لا بمجرد التأييد والمساندة وإنما بالمشاركة الفعلية في وضع القرار وتنفيذه وحين انتهت المحنة وعاد الوطن عاد معه الشك يكتنفنا في مدى قدرة أفراد هذا الوطن على حمايته دون وصاية ولا رقابة فما أهم من الثمر إلا زارعه ولا أبدى من المدفع إلا الذي يمسكه ولا تتحقق المشاركة والمساهمة دون احترام لروح الفرد ولحريته.. حرية لا تحجب رأياً واحداً قادراً على خدمة الوطن.. واحترام كافٍ لعقل الفرد يضمن أكبر قدر من العلانية بين ما ينشر وما يقال، احترام توأد معه ازدواجية الكلمة في القول والعمل وما تحمله من خطر الإشاعة.
انحناء التواضع
لقد فرض الثاني من أغسطس فيما فرض من تحديات تحد على المستوى العربي فمهما قلنا وصدقنا القول في طعن العروبة لنا إبان الغزو الغاشم إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أننا قد ساهمنا إلى حد ما في ما آلت إليه العروبة من وضع شاذ في تشخيص الأزمة فنحن لم نكن نعني لباقي الدول العربية سوى جموع مصطافين مترفين وحتى المساهمات والمساعدات التي كان تتبادلها الحكومات فيما بينها لم تكن تصل إلى نبض الشارع العربي والذي يبقى وحده بعد رحيل الآخرين، وهي ليست دعوة لتبرئة أحد، بقدر ما هي دعوة للحرص مستقبلاً على توثيق صلاتنا بشعوب المنطقة فلولا انغلاقنا عنهم لكان من الصعب على تلك الأنظمة العربية ترويج وإشاعة الادعاء والزيف العراقي، وإذ نحن الآن نعاود الصعود لتجاوز الهوة التي أحدثها غزو النظام العراقي علينا أن ندرك أن الصعود يتطلب بعضاً من الانحناء ولا أعني انحناء الذل والهوان بل انحناء التواضع تجاه الآخرين والانفتاح على مشاكلهم فإن أبلغ ما أثرتنا به الأزمة من دروس أنها أكدت وجوب ترسيخ الإيجابيات التي تجمعنا بمجتمعات وشعوب عربية لنا معها مصالح وأقدار مشتركة شئنا ذلك أم أبينا وعدم السماح للمزيد من النظم التسلطية لتجهز على ميراثنا الحضاري المشترك ولا لشعارات تتخفى ورائها مصالح فردية ولا لثورات أو انقلابات أو حركات تصحيح دون ديمقراطية ومشاركة شعبية.
قرية صغيرة
ويفرض علينا الثاني من أغسطس كذلك تحديات على المستوى الدولي في زمن أصبح العالم فيه كالقرية الصغيرة عالم يقفز قفزاً نحو التغير تسقط فيه أنظمة وتنهض أنظمة أخرى.
وإذا كان غزو الجار العابث قد أدخلنا تحت وصاية ورعاية دولية فإن الحلم الكويتي بإقامة وطن مفعم بالثقة والتصميم على اجتياز الصعوبات يفرض علينا تحدياً كبيراً في كيفية التنسيق والتعامل مع تلك الدول الصديقة تنسيقاً يضمن لنا الحفاظ على هوية الوطن واستقلاليته.. فنموذج الوطن الذي نسعى لبنائه.. هو نموذج لوطن متحرر من كل صور التبعية.. ومن ثم فهو نموذج تقدمي حضاري وذلك لأن التجارب كلها قد أثبتت أن وطناً خاضعاً لتبعية حكومات وأنظمة أخرى يكون رهن انتعاشها وتطورها إلا أنه أيضاً يبقى أسير أزماتها وأخطائها… وهكذا يجب أن يكون الثاني من أغسطس تاريخاً يشكل نقطة تحول من عمر هذا الوطن إن نحن أحسنا استغلالها عادت لنا دماء شهدائنا ولن يصفح لنا تراب الوطن.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى