الأرشيف

تجارة الأنفار

[جريدة القبس 27/11/1995]

قيل الكثير في تجارة الأنفار الرائجة وبشكل خاص ومؤذ في أعقاب تحرير الوطن!! وعلى الرغم من التذمر الذي لم يصمت أبداً عن تجار وتجارة الإقامات!! وبالرغم من كل وعود الإصلاح وتعهدات المسئولين بمعاقبة المخلين بقوانين الإقامة وحدود جلب العمالة!! إلا أن التجاوزات لا تزال قائمة والمتضررين من ذلك، سواء كانوا عمالاً أم مواطنين، لا تزال أعدادهم في ازدياد!! بل إن أسعار شراء الإقامات باتت شبه محددة ومسعرة تتفاوت مؤشراتها بحسب (بلد المنشأ)!!
تجارة الأنفار لا شك لها مخاطرها الاقتصادية والاجتماعية بالإضافة إلى أبعادها الأمنية!! ولا ننسى هنا بعدها الإنساني المتمثل في استغلال حاجة العامل في سبيل تحقيق مكاسب مالية شرهة!!
لكن الأمر على ما يبدو لا يقف عند ذلك وحسب!! (فطموح) تجار الأنفار لا ينتهي عند بيع الإقامة!! وإنما يستمر قائماً لتحقيق مكاسب أخرى من وراء احتياجات أخرى تخلقها ظروف العمل اللامشروع لأولئك المسخرين من عمال!!
أحد العمال من ضحايا تجار الأنفار دفع ثمن الإقامة وانطلق ينشد رزقاً في سوق العمل الذي طغت عليه الفوضى!! شاء قدر هذا العامل أن يتورط في قضية هي جنحة لها عقابها الواضح والمعروف في دفاتر الوطن القضائية!! غير أن هنالك دفاتر أخرى تصدر حكم البراءة عن أية جريمة لقاء مبلغ مالي معين!! يلجأ إليها هؤلاء الهائمون في أسواق الوطن!! وغالباً ما يحتكر تجار الأنفار ذواتهم تلك الدفاتر القضائية الخاصة لتحقيق مزيد من الربح والفائدة!! الأمن.. مسئولية وأمانة في أعناق المخولين بالقيام عليها والوقوف على تحقيقها واستتبابها، والإحساس بالأمن حاجة بشرية غريزية وحق من الحقوق البشرية المتعارف عليها!! والأمن أيضاً من ركائز استقرار المجتمع، وأول الأساسات في أي بناء مجتمعي بشري!! ولا يمكن توفير الأمن دون أن تسنده قوانين فاعلة.. غير مخترقة!! وإذا تجار الأنفار قد اخترقوا تلك القوانين في ممارساتهم التجارية غير المشروعة!! فإنهم كذلك قد ألغوا القضاء وعبثوا بميزان العدالة المستقيم!! ولعبوا دور القاضي والجلاد تجاه من جلبوا من عمالة!!
تجارة العمالة وصفقات الإقامة أصبحت من أبرز التهديدات والمعوقات للأمن وللأمان فيما بعد كارثة الغزو!! يدفع بها ذلك التسابق المحموم الذي شهناه نحو ملء الشاغر الذي أحدثه رحيل الكثير من غير المرغوب في بقائهم!! وحمى الكسب السريع التي سيطرت على الفرد بعد التحرير!! وهي أمور كان بالإمكان حصرها والسيطرة عليها لو أن جهاز الأمن كان فاعلاً والقوانين نافذة!! غير أن الواقع هو نقيض ذلك تماماً!! فبراءة العامل – الذي جاء ذكره في المقدمة – من الجنحة التي ارتكبها، لم يصدرها قاض ولا محام، وإنما أصدرها رجل شرطة من مخفر توقيف!!
فعلى الرغم من كل القوانين والعقوبات الجزائية المدونة والمكتوبة في أوراقنا ودفاترنا!! إلا أنها في أغلب الأحيان تقف خاوية ضعيفة أمام أدنى منغصات الأمن!! فكل التعهدات باستخدام الحزم والشدة والقانون لردع تجارة الأنفار جاءت خاوية!! وبقي رعاتها ملوكاً في سوق العمل!! وإن حدث ونشطت تلك القوانين، فهي باتجاه الطرف الأضعف.. كأن يبعد (مجرمنا) الذي اشترى حكم البراءة!! دون أن يطال الجرم الطرف الذي أصدر أو باع حكم البراءة ذاته!!
نريدها كي تكون بائنة، حملة تصحيحية تطال كل أوكار تجار الأنفار قبل أدواتهم من المستضعفين من العمال!! وإلا كان الثمن الذي سندفعه جميعاً ليس فوضى في سوق العمل وحسب، وإنما تشوهاً وعاهة في جسد الأمن!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى