
على الرغم من تفاوت الآراء حول الانتخابات الفرعية!! إلا أن ذلك لم يمنع من استمرارها.. بصورة منتظمة ومنظمة من المشرفين عليها!! حتى لقد أصبحت الانتخابات الفرعية أمراً واقعاً علينا أن نتعامل معه.. ونتفهم الأسباب التي دفعت للأخذ به.. قبل أن نقدم على نقد ذلك الأسلوب أو نقضه!! هنالك آراء ترى في الانتخابات الفرعية تشويهاً لوحدة المجتمع.. وشقاً لصفّه.. بينما ترى آراء أخرى.. أنها محاولات للتنسيق ضمن إطار القبيلة الواحدة من خلال تنظيم العمل السياسي بين المنتمين إليها.. وترجيح أفضل العناصر ضمن صفوفها!! وهو بذلك حق.. يتمتع به من يملك أدواته!! لا نستطيع أن ندعي أن الانتخابات الفرعية أسلوب دخيل على مجتمعنا.. أو نهج مشوه للعمل السياسي!! وإن نحن أدعينا ذلك.. نكون بلا شك قد تجاهلنا طبيعة تكوين المجتمع في هذا الوطن!! فالانتخابات الفرعية.. انعكاس صادق.. لطبيعة المجتمع وصورة دقيقة لطبيعة العلاقات التي تربط بين أفراده!! وهي بذلك تكون إفرازاً مباشراً للمجتمع وأفراده!!
لا شك أن الانتخابات الفرعية.. تعبّر تعبيراً صريحاً عن نزعة القبيلة.. والانتماء العشائري والقبلي الذي يهيمن على العمل السياسي في هذا الوطن.. ويسيطر على الوعي الانتخابي لأبنائه!! وهو تعبير منطقي ومتوقع يدفع إليه افتقادنا لمنهج عصري وحديث يسلكه الأفراد للتنسيق فيما بينهم.. وتتخذه التجمعات المتحالفة لتنظيم أفرادها.. والتعبير عن برامجها وطموحاتها السياسية!! بمعنى آخر.. علينا أن نخرج ببديل حديث وعصري للانتخابات الفرعية.. إذا كنا بالفعل جادين في نوايانا للتقليص من دورها.. وحريصين على أن نرتقي بالحس الانتخابي.. وبالمسؤولية البرلمانية!!
وعلى الرغم من أن المادة (43) من الدستور تنص على حرية تكوين الجمعيات والنقابات!! إلا أن تفسير المادة قد جاء مبهماً فيما يتعلق بتكوين الأحزاب السياسية.. والتي هي ركن أساسي من أركان الديمقراطية وأداة مهمة لممارسة العمل السياسي المنظم!! والتي عادة ما يؤدي غيابها إلى خروج نماذج مشوهة للتنسيق والعمل السياسي.. لا تعدو عن كونها تكتلات شخصية أو قبلية لا تتعدى في عوائدها قشرة المجتمع العليا.. من أصحاب النفوذ.. والنخب الصغيرة!!
لا شك أن القاعدة في العمل السياسي.. هي التنظيم والتنسيق.. وتحديد الأهداف ورسم البرامج والخطط!! فلا يوجد عمل سياسي عشوائي.. حتى في مراحله البدائية والأولية!! ومن هنا جاء اقتناع النظم السياسية الحديثة.. بأهمية الأحزاب.. وبالتنظيم السياسي الحزبي!! مما أدى إلى وعي جمعي للجماعات على اختلافها للعمل كمجموعات ولتحقيق مصالحها ومطالبها.. وللتنسيق والترتيب مع غيرها من الجماعات ضمن إطار المجتمع السياسي الواحد!!
ولا شك أيضاً أن هناك حساسية مفرطة تجاه العمل الحزبي في هذا الوطن.. كما في غيره من المجتمعات العربية.. لأسباب تتعلق بالتجارب العربية المشوهة للتنظيم الحزبي.. والأحزاب والتي لم تكن يوماً أحزاباً حقيقية.. بالمعنى العلمي الصحيح!! وإنما تكتلات فردية صغيرة.. ذات أهداف وطموحات سياسية محدودة.. كاستيلاء على السلطة.. أو إعداد لمرحلة بناء جديدة!! غير أن هذه الحساسية تجاه العمل الحزبي.. لم تلغ ولم تنف الحاجة إليه في أي عمل سياسي!! وما الانتخابات الفرعية الآن سوى تعبير واحد عن شروط العمل السياسي!!
قد لا ينكر أحد سلبية الانتخابات الفرعية.. بل ويتفق الجميع بمن فيهم القائمون عليها.. أنها أسلوب بعيد كل البعد عن الممارسة السليمة للديمقراطية!! غير أن مطالبات البعض بوضع حد لهذه الانتخابات وذلك بواسطة قانون يحد من تناميها.. ليست بالأسلوب الناضج لمعالجتها!! بل قد يدفع بها من العلنية إلى السرية لا أكثر ولا أقل!! فالقضية هنا قضية وعي قبل أن تكون قضية ممارسة خاطئة ولم يسمع أحد من قبل عن وعي يُفرض بقوة وسطوة القانون!!
نحن الآن ولا شك في مواجهة أحد الخيارين إما أن نختار ديمقراطية القبيلة.. أو ديمقراطية الحزب.. وسواء كان في الانتخابات الفرعية.. أم في الأسلوب الانتخابي بوجه عام.. فإننا وبكل تأكيد بحاجة ملحة للتأكيد على أسس المواطنة.. والانتماء… والتي أخطأنا فهمها.. سواء كنا من أهل الانتماء القبلي.. أم العائلي أم الطائفي!! وهي قضية لا يمكن أن يفرضها قانون أو مشروع!! وإنما ندركها من خلال خلق توعية مجتمعية لمتطلبات الولاء.. والهوية تدفع بتنظيم جديد.. قادر على الوفاء بحاجات الهوية الشخصية.. وتحقيق الرفاه الاجتماعي.. والتكامل الاقتصادي!!
