بين الكتابة والقراءة

بين الكتابة والقراءة
اعتدت، ومنذ بدايتي مع القبس في أغسطس من عام 1991، أن أتوقّف عن الكتابة في الإجازة الصيفية، ولا أخفيكم أنني وطوال مدة الإجازة أحنّ كثيراً وأفتقد الكتابة التي يبدو أن القراءة أثناء إجازتي لا تغنيني عنها، ما جعلني أتساءل: ترى أيهما أكثر متعة: القراءة أم الكتابة؟! وعما إذا كان الكاتب يستمتع بما ينتجه أم أن القارئ يتفوق عليه في هذه المتعة؟!
من خلال وظيفتي في الجامعة، مارست طويلاً تدريس استراتيجية الكتابة واستراتيجية القراءة، وكنت دائماً ما أشير لطلبتي إلى أن كلتا المهارتين تصبّ في منبع واحد، وأن القارئ الجيد بإمكانه أن يكون كاتباً جيداً والعكس صحيح! لكنني هنا وفي هذا المقال لا أقارن بين أهمية كلتا المهارتين، وإنما أتساءل: أيهما أكثر متعة؟
في الواقع هو سؤال قد تصعب الإجابة عنه وبدقة؛ لأنه يعتمد كثيراً على نوعية القارئ وهدفه، وكذلك هوية الكاتب ودوره والأسباب التي دفعته إلى الكتابة، ففي كتابة النص الأدبي، مثلاً، يكون الكاتب الجيد هو الكاتب الذي يستطيع أن يحرك حواس القارئ لا عينيه فقط، ويجعله يتحرك في الزمان والمكان الروائي، ويكون تقديره للعمل أشبه بمن يطالع لوحة فنية للتعرّف على تفاصيلها، أما في حال كتابة المقال أو النص الصحافي، فتأتي الموضوعية قبل سرد المادة كأبرز ما يراهن عليه الكاتب، وما يقيّمه القارئ في ما بعد. ولعل أسهل أنواع الكتابة نسبياً تلك التي تستند إلى حقائق علمية أو براهين مختبرية، حيث يكون التجرّد هنا مسألة أسهل بكثير من حالات الكتابة الأخرى.
تجربتي الشخصية مع الكتابة تجعلني أعطيها الأفضلية في بعض النواحي، فالكتابة غالباً ما تحوي في إطارها حواراً مع النفس والعقل والذات، سواء كانت كتابة أدبية أو نقدية أو سياسية. في الكتابة يكون الكاتب هو المؤدي وهو الجمهور في الوقت نفسه، هو المتحدث والناقد معاً، وهو المرسل والمتلقي كذلك، لذلك، وبرأيي أنها وإن كانت أكثر مشقة وصعوبة، فإنها أيضاً أكثر إلهاماً وتأجيجاً للقريحة ولكل ما تضج به ذواتنا من نقاش داخلي وجدل وخصومة وتصالح وحوار.
في الكتابة يشترط أن تكون الجودة في كلا الاتجاهين، بمعنى أن الكاتب الجيد يجب بالتبعية أن يكون قارئاً جيداً، لكن لا ينطبق ذلك دائماً على مهارة القراءة، فالقارئ الجيد ليس بالضرورة أن يكون كاتباً!
كلتا المهارتين، ولا شك، تعتبر إنجازاً وإبداعاً ومسؤولية تتطلب عقولاً كبيرة، وقلوباً مفتوحة، ووعياً بلا قيود، وكل صيف، وأنتم جميعاً بخير.

