غير مصنف

بعد تحدي الغزو.. بدأ تحدي السلم

[جريدة القبس 12/1/1993]

ظاهرة هجرة الوطن أصبحت من الظواهر الشائعة التي أفرزتها ظروف العدوان العراقي، خاصة في أعقاب موجة الإحباط التي اكتنفت شعور المواطن بفشل المجتمع عن استيعاب الدرس القاسي الذي وفرته ظروف كارثة الاحتلال. واستمرار الكثير من العناصر السيئة في إدارة شؤون الوطن.. ولا حاجة بنا هنا لذكر لصوص الاستثمار.. وقراصنة المناقصات.
ظاهرة الهجرة ليست جديدة على هذا الوطن.. فقبل أن تتفجر ينابيع الخير السوداء.. استقبل الوطن هجرات من جزيرة العرب خرجت بحثاً عن متنفس للرزق.. بعد أن حاصرتها وعورة الصحارى المغلقة.. وجدب أراضيها. وفي المقابل خرجت الهجرات من الوطن شمالاً سعياً وراء علم ومعرفة.
قد تكون الهجرة ظاهرة طبيعية.. وخاصة في ظروف الحروب والاحتلال والمجاعة.. فغالباً ما يلجأ المهاجر للبحث عن العيش في غير وطنه إذا ما كان هناك خطر على حياته.. أو وجد صعوبة في كسب رزقه.. ولكن الهجرة التي أصبحت شائعة الآن في الوطن ليست لكسب الرزق.. ولا للحفاظ على النفس.. فالوطن قبلة من تضيق به سبل العيش والرزق.. وهو وجهة الكثير ممن ينشدون بيئة وحياة أفضل. ولكنه ذلك الشعور باليأس من أن يشرق فجر الوطن من جديد.. وهو الإحساس بالإحباط من عودة الأمور إلى أسوأ مما كانت.. وهو هاجس الخوف من تكرار تجربة الاحتلال المرير.. وهي في مجملها أحاسيس لا ينكر صحتها أحد سواء كان عالماً ببواطن الأمور.. أو مراقباً ومتأملاً لما يدور.
لقد أصاب الزلزال فيما أصاب بنية الوطن الاقتصادية.. وخلف آثاره على بنية الوطن الاجتماعية.. ممثلة في أسر الشهداء والأسرى ومنكوبي الغزو.. وما يعنيه ذلك بالطبع من ضرورة إيجاد أسلوب مناسب لرعاية ضحايا الحرب والغزو. ولكنه أصاب أكثر ما أصاب الكيان النفسي للمواطن.. نتج عنه إحساس عام بالإحباط واليأس وبالخوف والقلق.. بعد أن تشعبت مصادر الخطر.. وأصبح المستقبل مبهم الملامح.
لكن التاريخ أبداً لا يتوقف.. وحركة التاريخ الدؤوبة تلفظ أولئك العاجزين عن ركوبها. بل على العكس.. فبمثل كارثة الغزو يتشكل التاريخ وتتراكم أحداثه نحو معالم هي دائماً أفضل.. فحركة التاريخ لا يديرها دوماً ذات الأفراد.. كما ولا توجهها نفس المعطيات وإلا لما كان هناك تاريخ ولا أحداث.. وكارثة الغزو هي إحدى المعطيات نحو كتابة مختلفة لتاريخ الوطن، وتنبيه محذر إلى ضرورة إعادة صياغتنا لأسلوب التعامل مع الأرض والفرد في المنطقة بأكملها. لكن السؤال الذي يطرحه كل واحد منا هو سؤال واضح وصريح.. ينتظر إجابة لا تقل وضوحاً وصراحة. والسؤال هو عن مدى حقيقة رغبتنا في إقامة وطن أكمل وأجمل. وهل تتلاءم مثل تلك الرغبة مع ما نتمتع به من سلبية ومع الأسلوب الجديد الذي يعمد إليه الكثير الآن في التخلي عن الوطن وهجره. سواء كان ذلك في تأمين المستقبل خارج الوطن أو في التباعد الجسدي عن ترابه؟ لا أتصور كما لا يتصور أحد أن ذلك هو أسلوب صحيح في إقامة الأوطان. فلا أحد يُنكر رغبته في أن يكون له وطن جميل متكامل.. وتحقيق تلك الرغبة لا يكون بالانتقال إلى مواطن الجمال والكمال في بقاع الأرض.. وإنما بنقل ذلك التكامل إلى أرض الوطن وغرسه فيها.
إن بناء الدولة والمجتمع لا يتم إلا من خلال النضال اليومي الصبور والثابت.. فالدول كما هو معروف تتشكل كنتيجة طبيعية لتراكمات حضارية.. تستطيع الشعوب الواعية استغلالها إجاباً.. فعلاقة أي شعب بالأحداث التي تدور في محيطه هي علاقة عميقة ومؤثرة يستطيع أن يستلهم منها.. وينسق على ضوئها صورة المستقبل الذي يريد وينشد.. وتلك مهمة تتطلب مواطناً يتفهم الظروف التي تمر بالوطن.. ليستغل الصالح منها.. لا أن يتراجع يائساً.. ويبحث عن وطن لدى الآخرين..
إننا جميعاً نذكر أيام الغزو السوداء.. ونتذكر معها تلك المشاعر التي عصفت بالمواطن يومها.. يوم أحس أن الأرض سلبت.. وأن الوطن اغتيل. يومها كانت الوطنية تعني فقط ذلك الإصرار على التمسك بالبقاء فوق الأرض والتراب.. لا النزوح هرباً من سياط الظلم.. يومها كان التمسك بالأرض والإصرار على البقاء فوقها هو السلاح الأمضى في وجه عدو الأرض. يومها عجزت كل بلاد الأرض أن تكون بديلاً للوطن أو نفياً له. إن الوطن الذي استطاع مواجهة تحديات الغزو والحرب.. والمواطن الذي استطاع الصمود في وجه من أبى عليه حق الأرض والتراب.. يتباطأ الآن ويعجز عن مواجهة تحديات السلم!! فيتلقف أبناؤه الإعلانات الداعية إلى الهجرة إلى أراضٍ تتمتع بقدر أكبر من الاستقرار والرفاه.
وإذا كانت تلك البلاد المتقدمة عنا لديها متسع وافر لاستقبال الهجرات المختلفة.. فإن بلادنا النامية هي أحوج كما تكون إلى الاحتفاظ بأبنائها.. فالوطن الذي نريد إعادة بنائه.. وتأكيد انتمائنا له.. بحاجة إلى جهد كبير متصل وجاد.. هو في حجمه أشد من الجهد الذي بذل في سبيل الحفاظ عليه والذود عنه.
إن التاريخ يحدثنا عن دول أنشأها وأسسها مبدأ القوة.. والذي كان هو الأسلوب الذي قامت عليه تلك الدول.. ودول أخرى أرستها ثورات عصفت بكل ما سبقها من نظام.. بينما هنالك دول تنشأ وتنمو في مراحل الانتقال الكبرى.. والتغيرات التاريخية القوية.. وهي التي أثبت التاريخ أنها الأقدر على التحمل والصمود.. نظراً لقدرتها على الاستفادة من عوامل التغيير التي توفرها مراحل الانتقال تلك.
ونحن وطن نشأ وسط التغيرات الاقتصادية الهائلة التي طرحت نفسها واقعاً مع تدفق النفط. ويواجه فيه المواطن تحدياً متمثلاً في مدى قدرته على الاستفادة من عوامل التغيير التي تعصف الآن بالمنطقة بأكملها. وهو التحدي الأكبر نحو ترجمة حقيقية لوطنيته التي لا تكون إلا بالبقاء فوق أرض الوطن. أما فيما عدا ذلك من تعبير عن الوطنية فلن يكون أكثر من ألفاظ خاوية من دلالاتها.. فالوطنية لا يمكن أن تعتبر مفهوماً حقيقياً وجاداً.. وإحساساً صادقاً ومخلصاً إلا بمقدار الصيغ العملية والحتمية التي تطرح بها وتجسدها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى