الأرشيف

بشت الوزير

[جريدة القبس 16/3/2004]

يطرح استجواب وزير المالية سؤالين ملحين؛ الأول يتعلق بالأسلوب المتبع في اختيار الوزراء، والثاني متعلق بقضايا الفساد المالي والإداري التي تضاعفت بصورة مخيفة في ظل عمليات “توزيع” المشاريع الاستثمارية، والعقود التجارية مع غياب الطرح العادل لمثل هذه الفرص عن طريق مناقصات تتم ترسيتها بصورة مجردة وقانونية!
لقد أثار الاستجواب ـ بداية بتفاصيله الدقيقة ـ طبيعة الآلية المتبعة في اختيار الوزراء بمعنى آخر: هل توجد معايير وشروط يتعين توافرها في المرشح للحقيبة الوزارية أم أن الأمر لا يعدو كونه اجتماعات مغلقة وحميمة يتم بمقتضاها الترشيح؟ خاصة أن هنالك العديد من الوزراء ممن تحوم حول مقومات استعدادهم وتاريخهم علامات استفهام كثيرة تتفاوت بين المقدرة الإدارية والأمانة الوظيفية والحضور والقبول الجماهيري! ولعل ما ورد في استجواب وزير المالية الأخير ما يثير مثل هذه التساؤلات، فالوزير لا يتمتع بالتجرد المطلوب لتحقيق إدارة عادلة وحكيمة في إطار مسؤولياته، فلقد سبق أن أخفق إدارياً في إدارته لمؤسسات سابقة، وفقاً لما جاء في حيثيات الاستجواب، ولعل أبرز تلك الاخفاقات تعامله مع قضية كادر موظفي إدارة المحاسبة العامة في وزارة المالية حين جمد الوزير الكادر على الرغم من إقراره وإعداده للتنفيذ، مع ما يحمل ذلك القرار من مخالفة قانونية! وأيضاً قراره إلغاء برنامج “الأوفست” الرامي إلى إنعاش الحركة الاقتصادية في البلاد من خلال تنشطة عمل القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار في مشاريع التربية والتعليم والبحث العلمي، والإسهام في تطوير الموارد البشرية الكويتية من خلال توظيفها في المشاريع المنفذة، لكن هذه الجهود توقفت بطلب وزير المالية من مجلس الوزراء إيقاف العمل ببرنامج “الأوفست” مع ما يحمله مثل هذا القرار من إلغاء لمليار دولار من التزامات الشركات الأجنبية!
هنالك بلا شك مؤشرات كثيرة جاءت في فحوى الاستجواب تشير إلى عدم تمتع الوزير بالصفات القيادية الضرورية لرئاسة وزارة كوزارة المالية، ولو لم يحدث الاستجواب لمضى الوضع كما هو، وبقيت مخالفات الوزير كامنة داخل البنية الأساسية لوزارة المالية.
لذا فإن استجوابات كهذه – ولو لم تحقق هدفها – تبقى أهميتها كأدوات رقابية تحمل رسائل مهمة إلى مؤسسات الدولة بشكل عام، وتذكر دائماً بحاجتنا إلى وضع معايير محددة يتم على ضوئها الترشيح للمنصب الوزاري والقيادي.
أما الشق الثاني الذي أثاره استجواب وزير المالية فيكمن في الانتهاكات المتواصلة لحرمة المال العام، حيث تقسم المشاريع الاستثمارية وتوزع كهبات ضمن دائرة ضيقة من المستفيدين والمتنفذين، كما هي الحال في نظام الـ BOT المستخدم في تنفيذ وتطوير المشاريع الاستثمارية الكبرى كتنمية الجزر، ومشروع ميناء الصليبخات، ومشاريع جزيرة فيلكا، والمشروع السياحي في مدينة الجهراء هذا إلى جانب فضيحة التنمية – هاليبرتون، وأيضاً مشاريع مستقبلية كمشروع مياه إيران، ومحطات الطاقة وتحلية المياه، وكلها مشاريع تحيط بها الشكوك والتساؤلات خاصة فيما يتعلق بمردودها على الكويت بشكل عام، وليس على فئة ضيقة ومحدودة من الأفراد المتنفذين.
استجواب وزير المالية سيمضي، كما غيره من الاستجوابات التي سبقته، ولن يتجاوز أثره عناوين الصحافة وبعض المقالات، وذلك ما لم يشكل هذا الاستجواب منصة ننطلق منها إلى صياغة جملة من الشروط الواجب توافرها في المرشحين للمناصب الوزارية والقيادية الحساسة ولكي لا يكون التوزير تشريفاً و”بشتاً” وامتيازات اجتماعية فقط، وإنما تكليف وضمير ومسؤوليات سياسية وإدارية، فكم من التجاوزات المالية والإخفاقات الإدارية بقيت مخبأة تحت بشت الوزير في وزارات كثيرة داخل الكويت!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى