
احتلت مؤخراً مسألة عودة العلاقات مع الدول التي ساندت نظام بغداد في إرهابه وعنفه، مساحة كبيرة من حديث المواطنين، وحيزاً أكبر من الآراء المكتوبة المنشورة في الصحافة. وبحيث لا يكاد أي تجمع يخلو من تعليق أو إشارة إلى مشاريع العودة هذه.
ولاحتواء ذلك التذمّر المتصاعد من الرأي العام الشعبي لعودة العلاقة مع (دول الضد)، فقد لجأت الحكومة وأهل القرار في هذا الوطن، إلى أطروحة المصالح، وطبيعة العلاقات السياسية المتغيرة، والمتبدلة، ومنطق أن لا عداء يدوم ولا صداقة تدوم في السياسة ومشاريعها. وكلها بلا شك أطروحات ناجحة وذكية ولا جدال حول صدقها وحقيقتها على الإطلاق. غير أن ما يثير الأسى والأسف في مشروع الحكومة لعودة العلاقة مع (اللابرنامج) واللامخطط التي يعانيها الوطن بصورة عامة، فكما صور قرار المقاطعة ومسمى (الضد) كردة فعل عاطفية لسلوك حكومات الدول التي ساندت العدوان، يأتي قرار العودة، وحجة المصالح السياسية المترابطة، أيضاً بصورة مبهمة وبعجالة تنم عن حالة (اللابرنامج) المزمنة التي نعاني منها جميعاً!
لقد انطلقت في أعقاب الغزو أصوات مخلصة وأمينة محذرة يومها من مخاطر تغليب العاطفة والمشاعر على القرار السياسي المدروس، والبرنامج الاستراتيجي الضارب في المستقبل الأبعد، حتى لقد طال ذلك الاندفاع والتهور في الرؤية، مناهجنا الدراسية، وبرامجنا الإعلامية الرسمية. وكان أن اتهمت تلك الأصوات المخلصة، باللاوطنية وبالانتماء المشروخ والمشوه.
اليوم تعود هذه الأصوات من جديد يدفعها ذات الإخلاص والأمانة لما هو في صالح الوطن والمواطن، تعود محذرة من جديد من اندفاع غير مدروس، وسياسة بلا مخطط واضح الملامح.
قد لا يجادل أحد على الإطلاق في طبيعة عالم السياسة ودهاليزه، وما يطوقه من مصالح متشابكة، وعلاقات متلونة ومتغيرة. ففي السياسة لا عدو دائم، ولا صديق دائم أيضاً. إنما بحر متلاطم من المتغيرات والمستجدات تتطلب حنكة ودراسة وتريثاً، وذلك لا شك هو جل ما نفتقده في هذا الوطن. فلقد استثمرت السلطة السياسية تلك الفوضى التي خلفها الغزو، فصاغت خططها ووضعت تصوراتها المستقبلية في جو من الظلام وعتمة في الرؤية، أحدثها غبار الثاني من أغسطس 1990. وأفرزت تلك الرؤية مسميات (الضد) و(المع) بصورة كانت أبعد ما تكون عن السياسة وأدواتها. فكان أن قطعت الطريق وأغلقت جميع المنافذ. فلم يعد بحيازة السلطة السياسية الآن أدنى منفذ أو طريق، تبني عليه حجج عودة العلاقة مع الأردن أو غيره.
نحن جميعاً نعلم أن عودة العلاقة مع أي من دول (الضد) أو حتى مع العراق. تعتبر مسألة طبيعية ومنطقية بل مطلوبة، كما أننا نعلم أيضاً، أن هنالك برنامجاً لإعادة بناء العلاقات بين دول المنطقة بشكل عام. هذا بالإضافة إلى إدراكنا بأن الأسباب التي دعت لقطع العلاقات، وللتوتر الذي تشهده العلاقات العربية – العربية بوجه عام هي أسباب لا تزال قائمة.. ولعل التبدل الوحيد الذي حدث هو في جملة تواقيع السلام التي حررها بعض قادة الدول العربية مع إسرائيل، والتي يأتي على رأسها توقيع “وادي عربة” الشهير الذي جعل الأردن أول المرشحين من دول (الضد) للعودة والتمتع بالمساعدات المالية، التي طالما وفرتها دول الخليج له. لا نريد أن نبتعد كثيراً عن صلب الموضوع، على الرغم من أن أي حديث في مستجدات المنطقة العربية والمتغيرات التي عصفت بها مؤخراً، لا بد أن يعود إلى كارثة غزو النظام العراقي للوطن، أو ينطلق منها.
غير أننا نتمنى في هذه الظروف، موقفاً شعبياً صارماً، يستثمر زلزال الثاني من أغسطس، ليصيغ على ضوئه مطالب بديمقراطية تضمن عدم تكرار وعودة المآسي العربية. فأبلغ دروس الغزو هو في أن الاستقرار للمنطقة بدون ديمقراطية حقيقية، خاصة بعد أن أدركنا جيداً كيف يؤدي انعدام الديمقراطية، وكما هو حال العراق، إلى مأزق ومآسٍ مؤسفة ومكلفة.
يبقى المطلوب هنا، أن نتناول عودة العلاقة مع دول (الضد) بأسلوب أكثر نضجاً عن موقفنا الانفعالي في المقاطعة. وأن نستثمر الدور الذي فرضته علينا الظروف السياسية الراهنة، فنكون لاعبين لا متفرجين وحسب. وأن تكون رحلة الخطوط الجوية الكويتية صباح اليوم إلى عّمان، بداية حقبة من النضج السياسي، والرؤية الأبعد!!
