باتجاه القاع

باتجاه القاع
يستمر التدهور في العالم العربي والنامي والإسلامي من هوة عميقة مظلمة إلى هوة أكثر عمقاً وظلاماً، ويمضي الوقت دون أن نلمح في الأفق بارقة أمل تبشر بمستقبل يحمل واقعاً مختلفاً. ومع استمرار الانحدار نحو الهوة المظلمة ينشط المفكرون العرب والمسلمون في اقتراح أسباب ذلك التدهور لعل الوقوف عليها يوفر بعضاً من الأمل في مستقبل أقل ظلمة وسواداً!
يرى الكثير من المحللين أن الوضع الثقافي والفكري والاقتصادي في العالم العربي والإسلامي والدول النامية بشكل عام هو نتاج طبيعي للكثافة السكانية التي تعتبر مسؤولة مسؤولية مباشرة عن تدهور الأوضاع في تلك الدول بشكل عام! لكن الكاتب الأمريكي مالكولم فوربس الابن له رؤية مختلفة لما يتعلق بالكثافة السكانية في العالم النامي، حيث يقول: “إنه لا يوجد بلد أكثر كثافة وازدحاماً من هونغ كونغ ولا أكثر فقراً في الموارد الطبيعية من هونغ كونغ، فليس فيها حديد ولا فحم ولا بترول، وهي تشتري كل شيء حتى مياه الشرب، ومع ذلك فهي أكثر بلاد العالم غنى وفيها أعلى معدلات الدخل بالنسبة للفرد، والشيء نفسه يقال عن سنغافورة وعن اليابان، حيث يبلغ التعداد السكاني مئة وعشرين مليوناً ولا موارد ولا ثروات طبيعية تذكر، ومع ذلك فهي ذروة في التنمية وفي معدلات الدخل! ويضع فوربس يده على العلة الحقيقية في تخلف البلاد، حيث يقول إن تلك الدول ليست منكوبة بكثافتها السكانية، ولكنها منكوبة بحكوماتها البيروقراطية التي تعوق وتعطل كل حركة أو ما هو أسوأ من ذلك حكوماتها الفاشية والدكتاتورية التي تعتقل النمو لحركة المال وسيولته، ليصب كل شيء في جيب الحاكم وعصابته من اللصوص وقطاع الطرق!
ويؤكد فوربس أن الكثافة السكانية تدخل في حساب الموارد ولا تدخل في حساب الفاقد، فلا يوجد أثمن من الإنسان، ولا توجد سلعة ولا ثروة معدنية تفوق الإنسان في قدرته على العمل والخلق والابتكار.
يتفق مع رؤية فوربس بعض الكتاب والمفكرين العرب مثل الدكتور مصطفى محمود، الذي يرى أن المنجم الحقيقي للتنمية هو الكثافة السكانية والتعليم وأن البلاد النامية أصبحت اليوم كالمجتمعات الحشرية الضعيفة، دفاعها الطبيعي الوحيد هو الإكثار من نسلها، وبالتالي إذا حددت نسلها قضت على سلاحها الوحيد للبقاء وانقرضت! وبانقراض البلاد النامية سوف تنقرض أسواق البلاد الغنية وسوف يعاني الكل، فالاقتصاد ليس مجرد منتجين وإنما هو منتجون ومستهلكون وسوق نشطة! لهذا يرى الدكتور مصطفى محمود ضرورة التفكير بطريقة جديدة تماماً غير طريقة تحديد النسل، لأنه يلخص مشاكل الإنسان بأن سببها الوحيد هو زيادة عدده! وكلاهما، أي الأمريكي فوربس والعربي مصطفى محمود، يرى في التعليم المخرج الوحيد من ذلك التدهور نحو المزيد من الظلمة الحالكة التي يعاني منها العالم الثالث!
وجهة نظر قد يكون فيها شيء من الحقيقة، فيما يتعلق بأهمية التعليم ودوره في إصلاح حال العالم الثالث، لكنها أشبه ما تكون بحكاية البيضة والدجاجة مما يتعلق بأولوية الترتيب! أيهما يأتي أولاً تحديد الكثافة السكانية أم التعليم؟
لقد ثبت بالتجربة والملاحظة أن المجتمعات المتعلمة تكون أقل كثافة من المجتمعات الجاهلة أو الأمية! وأن الكثافة السكانية في دول كمصر والهند تعتبر عاملاً أساسياً في تدهور تلك الدول اقتصادياً وثقافياً ومعيشياً، وأن دولة كبيرة كالصين استطاعت أن تقي نفسها من مثل ذلك التدهور من خلال قوانين تفرض الرقابة على عدد المواليد، بحيث لا يحق لأي عائلة في الصين أكثر من طفل واحد فقط!
قد لا تكون الكثافة السكانية هي السبب الوحيد لتدهور الأوضاع المعيشية في دول العالم الثالث، لكنها حتماً تعكس غياباً في الوعي، وجهلاً بأولويات الحياة، وتنذر بتدهور أسرع تجاه قاع مظلم حالك السواد!
