انسحاب مسؤول!

انسحاب مسؤول!
يعد الملف العراقي من أثقل التركات التي يواجهها الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما، فلقد اتخذ الاختلاف حول التواجد العسكري في العراق مكانة بارزة في مناظرات مرشحي الحزبين إبان الحملات الانتخابية الأخيرة!
يعتبر الانسحاب من العراق، خاصة في ظل تدهور الأوضاع الأمنية، أصعب بكثير من الدخول إليه في عام 2003، وبحسب الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق، فإن القوات الأمريكية تنسحب من العراق في تاريخ لا يتعدى 31 ديسمبر عام 2011، ومن المدن والقصبات العراقية في تاريخ 30 يونيو عام 2009!
مشروع الانسحاب لا يخلو من الهواجس لدى جميع الأطراف، فالعراقيون يرون أن الانسحاب قد تكون له عواقب وخيمة، سواء على المستويين الأمني أو الاقتصادي! والأمريكيون في المقابل يرون ضرورة تخفيف العبء عن القوات الأمريكية وتقليل الخسائر والنفقات المرتبطة بالحرب في العراق!
الوضع خطر بشكل عام، ليس في شقه العراقي وحسب، وإنما في أكثر من جبهة فتحتها الولايات المتحدة منذ ولادة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، واختفاء الثنائية القطبية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق! فالمعارك في أفغانستان نشطة، والحرب على الإرهاب تكاد تشتعل في أكثر من بقعة في العالم، والمناطق المثيرة للقلق الأمريكي مثل إيران والصين وكوريا الشمالية تستنزف الجهد والمال الأمريكيين! وأزمة الائتمان تهدد بكساد اقتصادي سيضرب الزعامة الرأسمالية في الصميم!
في أعقاب الحرب العالمية الأولى حدث تحول كبير في تفكير الأمريكيين، فعلى مدى عشرين عاماً كانت الولايات المتحدة ناشطة دولياً، وكان حماس الشباب الأمريكي في أوجه تجاه سياسة رؤساء مثل “روزفلت” و”ويلسون”، خاضت أثناءها الولايات المتحدة الحرب مع حلفائها وحققت النصر ضد ألمانيا، لكن في المقابل كان هنالك آلاف القتلى من الأمريكيين في حلبة الصراع الأوروبي، وآلاف مثلهم من المحرومين، فكانت القوقعة الأمريكية والانغماس في الشأن الداخلي، إلى أن هزت أرجاء الاقتصاد الأمريكي كارثة الكساد العظيم، فزادت من العزلة الأمريكية، التي يرى الكثير من المؤرخين، أنها من الأسباب الرئيسية لصعود ألمانيا الهتلرية وما أعقبها من تهديد لأوروبا، ومن ثم اندلاع أعنف الحروب العالمية، الحرب العالمية الثانية!
المحللون السياسيون يتحدثون اليوم عن قرب نهاية العصر الأمريكي، وعن انهيار نظام الأحادية القطبية، بل هنالك من يتنبأ بظهور نظام ثلاثي القطبية! خاصة في ظل الضغوط القادمة من الصين والهند وروسيا لإعادة بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وتبقى كلها تكهنات، تتحكم فيها عوامل مختلفة، لكن انعكاساتها ستكون بارزة في مناطق التوتر التي تأتي على رأسها منطقة الشرق الأوسط! خاصة العراق، الذي يقف الآن بين احتمالين لا ثالث لهما، إما أن يصبح ساحة للصدامات العرقية والطائفية، وملاذاً لحركات العنف والتطرف والإرهاب، وإما أن يتحول إلى دولة حليفة للغرب ومركز للتوازن السياسي والعسكري في منطقة يزداد لهيبها يوماً بعد يوم!
والخيار بين الحالتين سيكون رهناً بتعامل الإدارة الأمريكية القادمة مع الوضع في العراق! فالعراقيون يرون، وكما جاء على لسان وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، أن مغادرة القوات الأمريكية الآن قد تكون لها عواقب وخيمة، سواء على المستويين الأمني أو الاقتصادي، بينما يرى الأمريكيون أن الأمن في العراق مازال هشاً، إلا أنهم يتحدثون عن مهمات مؤقتة للقوات الأمريكية ستحل محل التواجد العسكري الحالي!
أما العالم بأكمله فيرى أن على الولايات المتحدة تحقيق انسحاب مسؤول في أقل التقديرات!
