الأرشيف

“انتخابات الجامعة.. في النور”

[جريدة القبس 14/6/1994]

شهدت انتخابات جمعية أعضاء هيئة التدريس في جامعة الوطن.. والتي أجريت مؤخراً.. إقبالاً متميزاً هذه المرة.. فسَّره البعض بكونه يعكس تخوفاً وقلقاً بالغين.. من احتمال سيطرة التيار الديني على الحرم الجامعي بنشاطاته المختلفة سواء كانت أكاديمية علمية.. أم اجتماعية ترفيهية!! خاصة بعد التحالفات التي أعلنتها القوائم الإسلامية.. والتي أثارت الدهشة في أروقة الحرم الجامعي.. حيث اتحدت تلك القوائم في قائمة واحدة في مجابهة القائمة الأكاديمية والتي اكتسحت الانتخابات الأخيرة.
والقلق الذي أبداه البعض له ما يبرره ولا شك.. فلقد شهدنا جميعاً التراجع الملحوظ في العمل والنشاط الطلابي بعد أن سيطرت التكتلات الإسلامية على اتحاد الطلبة في الجامعة.. والتي كان جل اهتمامها ولا يزال.. عزل الطالب عن الطالبة!! فتارة كافتيريا للطلبة وأخرى للطالبات.. وأخرى مكتبة للطلبة ومكتبة للطالبات بل وحتى صحيفة للطلبة وأخرى للطالبات.. وهكذا.. دون أن يمس ذلك احتياجات الطالب العلمية والأكاديمية.. فلم نسمع أن الاتحاد الطلابي، مثلاً قد طالب بتوفير كتب ومراجع معينة.. كما ولم يناد الاتحاد بتحسين مستوى المدرس الجامعي ولا بالاستعانة بالكفاءات من الأساتذة الزوار!! وغير ذلك من مطالب هي في أساس العملية التعليمية والتربوية!!
قد لا تكون القائمة الإسلامية – أو (القائمة المهنية) كما جاء في إعلانها خوض انتخابات هيئة التدريس في مقابل القائمة الأكاديمية – قد أعلنت عن أهداف مشابهة لأهداف اتحاد الطلبة.. يأتي على رأسها شطر الجامعة وتقسيمها إلى قسم رجالي وآخر نسائي.. إلا أن ذلك ولا شك هدف تسعى إليه كل التكتلات الإسلامية.. سواء من داخل الحرم الجامعي.. أو من خارجه!! وهو إن كان مكلفاً ومرهقاً مادياً.. وشاذاً عملياً.. في الحالات كلها.. فإنه ولا شك ضار على مستوى الحرم الجامعي!! حيث تتم عملية بناء الفرد على أساس مجتمع يحوي الطرفين معاً.. ويقضي تعاونهما دون حواجز أو قيوداً!!
قد تكون كلتا القائمتين المتنافستين في الانتخابات الجامعية.. بالغت في طرح برنامجها العملي.. فكلتاهما قد دخل في تفاصيل خطط إصلاحية.. يعلم المعنيون بها من أساتذة في الجامعة.. أنها غير قابلة للتطبيق.. مثل إعادة النظر في نظام الترقيات في الجامعة.. وتطوير مسيرة البحث العلمي داخل الجامعة.. وربطه بحاجات المجتمع.. والعمل المتواصل مع إدارة الجامعة والجهات المختصة نحو رفع المستوى العلمي والأكاديمي للجامعة!! وهي وإن كانت خططاً طموحة يفتقدها الحرم الجامعي بالفعل، والعمل الأكاديمي بوجه خاص إلا أن المبالغة في طرحها والتأكيد على تحقيقها قد قلصت من مصداقية كلتا القائمتين!! وهو وإن كان أمراً مألوفاً بالنسبة للمخاطبين به من مواطني هذا الوطن أو من أشقائهم العرب، فإنه كان مثاراً للدهشة من قبل أقرانهم من مدرسين وأساتذة غير عرب.. حيث عهدوا برامج انتخابية واعدة.. في إطار الممكن!!
إن هذه ولا شك ليست بدعوة للتقليل من شأن جمعية أعضاء هيئة التدريس الجامعية.. بقدر ما هي مناشدة لتوحيد الجهود وتقنينها في أهداف ممكنة، قابلة للتطبيق والخروج بالجامعة وأساتذتها ونشاطاتها.. من دائرة أسلوب التنافس السائد في هذا الوطن!! فعلى الرغم من يقيننا جميعاً أن الجامعة ما هي إلا جزء من المجتمع بوجه عام.. إلا أن الواجب الارتقاء بها وبنشاطها وأدائها.. سواء الأكاديمي أو الاجتماعي.. لتكون رائدة ومبادرة.. لا تابعة وخاضعة، وأن تكون راعية للجانب الثقافي والتعليمي التربوي من المجتمع.. بدلاً من الدخول في صراعات التيارات السياسية المتطاحنة.. وتبني قضايا وشعارات هي أبعد من أن تكون في صلب الدور الثقافي المطلوب!! خاصة وإن محاولات التمويه والتملص من التبعية التي حاول البعض أن يتقمصها قد أثبتت عجزها عن إقناع الهيئة التعليمية الجامعية، كما أثبتت فشلها في استقطاب رعاة الثقافة والعلم والنور!!
تسول الدرجات في الجامعة… لماذا؟!
[جريدة القبس 20/6/1994] على الرغم من أن موسم الامتحانات يوشك على الانتهاء، إلا أنه ينتهي دون أن تنتهي معه قضية تبقى عالقة بل ومتفاقمة عاماً بعد عام، خاصة في مجال التعليم والتحصيل الجامعي.. ونعني بذلك قضية تقييم الطالب على إنجازه، سواء في الامتحان أو في ما قدم من بحث ودراسة!! فعلى الرغم من أن عملية التقييم هي أشق جانب من جوانب العملية التعليمية.. لحساسيتها وحرجها.. إلا أنها أصبحت تثير تساؤلات كثيرة مؤخراً خاصة حول جدوى وفاعلية طرق التقييم المعمول بها!!
التقييم في المراحل الدراسية الأساسية، أمكن السيطرة عليه وتنظيمه، وذلك لشمولية المناهج في هذه المراحل التعليمية.. إضافة إلى عملية توحيد الامتحانات.. وعمليات رصد الدرجات!!
أما في التعليم الجامعي فهو مسألة تحوي هامشاً كبيراً من الحرية التي يتمتع بها كل أستاذ مادة.. وهو بذلك – أي التقييم – يجعل من عملية تحديد درجة الطالب في المرحلة الجامعية تتأثر إلى حد كبير بعوامل عديدة أخرى، لا علاقة لها بالتعليم والتحصيل العلمي!! لذا فما إن تبدأ عملية الامتحانات والتقييم في الجامعة حتى تبدأ معها المزايدات والمساومات على الدرجة، لا يستثنى منها إلا من حصل على الدرجة النهائية، أو الـ A. فالطالب الحاصل على الـ (C) يريد أن يرفعها إلى (B) والحاصل على الـ (B) يطمع في تغييرها إلى (A) وهكذا.. يفتح سوق الدرجات أبوابه ولا يغلقها إلا مع بداية الفصل الدراسي الجديد!!
لعلّ ما يسترعي الانتباه هنا.. أنه ما إن تبدأ مرحلة التقييم إلا ويصبح أغلب الطلبة مهددين بإنذار الفصل من الجامعة أو بأي من إنذارات المعدل العام!! فعلى الرغم من أن نظام الإنذارات في الجامعة واضح وصريح، ويحوي ثلاثة إنذارات، تبدأ بإنذار أولي، يهدف إلى إخطار الطالب بوجوب بذل المزيد من الجهد… إلا أنه – أي الإنذار الأولي – يعجز عن دفع الطالب لمضاعفة الجهد.. ليجد نفسه في مواجهة إنذار آخر يتطلب منه جولة بين أساتذته يستجدي فيها الدرجة الإضافية.. التي ستحول بينه وبين الإنذار الثاني ومن ثم النهائي!!
وعلى الرغم من محاولة البعض في الجامعة وضع حد لمزايدات الطلبة أثناء فترة التقييم، إلا أن ذلك البعض يصطدمون دوماً بمن يرى في عدم مساعدة الطالب تفادي الإنذار.. مسألة فيها الكثير من (الحرام) والظلم للطالب!! أو كما يرى البعض أنها مسألة بسيطة لن تعوق مشاريع الإصلاح في الوطن!!
المسألة على بساطتها لمن لا يعايشونها قد تبدو بعيدة عن (مشاريع الإصلاح والتطوير).. إلا أنها وبكل تأكيد أساسية في عملية بناء الفرد المسؤول الأول عن تلك المشاريع الإصلاحية!! فالطالب الذي سيحصل على تعديل في درجة أحرزها على جهد أداء، أو في بحث أنجزه، سيصبح خاضعاً ولا شك لذلك المنطق في التقييم، حتى فيما بعد التعليم الجامعي!! وسيحمل معه تلك الروح (التنافسية!!) حتى في تعاطيه وتعامله مع المجتمع والوظيفة والدولة!!
ندرك جميعاً أن ظاهرة كهذه لا يمكن فصلها أو عزلها عن المجتمع بوجه عام، خاصة وأنها قد أصبحت واضحة مع سيطرة سياسة (التكويت) على الحرم الجامعي، مما يفسر العلاقة الاجتماعية المباشرة بسلبيات عملية التقييم في الجامعة!! كما أننا جميعاً مدركون للدافع الحقيقي من وراء التعليم الجامعي لدى شريحة كبيرة من طلبة الجامعة.. حيث تؤهل الدرجة الجامعية لحاصلها.. وظيفة بالدرجة الرابعة!! لذا فإن الخلل في عملية التقييم الجامعي هي ولا شك جزء من الخلل في مفهوم التعليم العالي بوجه عام!! وتلك معادلة تجعلنا نصل إلى حصيلة منطقية.. وهي أن حجب تعديل الدرجة للطالب الجامعي.. هي حجب لوظيفة الدرجة الرابعة أيضاً!!
ظاهرة تسول الدرجات التي أصبحت شائعة بين الطلبة في جامعة الوطن.. هي ظاهرة ولا شك بحاجة إلى معالجة أساسية!! قد يكون على رأسها.. تعديل مفهوم التعليم العالي لدى الطالب وتأصيل أهمية الخبرة في المجال الوظيفي والعملي.. وذلك بوضع خطة ترقيات تعتمد على الإنجاز الوظيفي، وتصل بالفرد إلى الدرجة الرابعة دون الحاجة إلى مزاحمة الراغبين في العلم، بكونه علماً لا رخصة للوظيفة.. ودون اعتماد التسول مدخلاً لتحقيق الطموحات.. والآمال!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى