
• الانتخابات في الكويت تقوم على أساس علاقات اجتماعية أو لاعتبارات أخرى، أما في النمسا فتقوم على أسباب تتعلّق ببناء المؤسسات في الدولة على المدى البعيد، وقضايا تمس جوهر حياة المجتمع والناس، وهذا سر نجاح انتخاباتهم في النمسا.
سنحت لي الفرصة لأن أحضر الانتخابات البرلمانية في النمسا. وكان أول ما شدني ولاحظته هو صغر حجم إعلانات ولافتات المرشحين، خاصة عند مقارنتها بإعلاناتنا الانتخابية في الكويت!
أُنشئ أول برلمان نمساوي عام 1848 إثر قيام ثورة من الطلاب والعمال والأمراء، حيث أدت هذه الثورة إلى إنشاء مجلس الدولة أو البرلمان. في الانتخابات الأخيرة سادت موجة من التحالفات الجديدة، حيث تحالف حزب الشعب المحافظ مع حزب الخضر، وبذلك يكون قد أعطى ظهره للحزب الاشتراكي الديمقراطي حليفه السابق، كما طرحت بعض الأحزاب اليمينية، مثل حزب الحرية وحزب التحالف من أجل مستقبل النمسا، شعارات متطرفة ومناهضة للإسلام والمسلمين، حتى أن وزيرة الداخلية كررت في الانتخابات الماضية لأكثر من مرة ما وصفته بتنامي التطرف الإسلامي، وأن الخطر الاساسي على النمسا يأتي من المتطرفين الإسلاميين!
مشاهداتي للانتخابات في النمسا جعلتني أجري مقارنة سريعة بينها وبين الحملات الانتخابية في الكويت. ولعل أبرز ما جاء في تلك المشاهدات، وبخلاف حجم إعلانات المرشحين، أن التركيز في الحملات الانتخابية لم يكن أبداً على شخص المرشح، وإنما على برنامجه واستراتيجية الحزب المنتمي إليه. والعملية الانتخابية عندهم ليست عملية سياسية وحسب، وإنما تحكمها جوانب اجتماعية وثقافية ونفسية في أحيان كثيرة.
الانتخابات عندنا تقوم على أساس علاقات اجتماعية، والناخب قد يكون مدفوعاً لإعجابه بشخصية المرشح أو لاعتبارات أخرى، لكن ذلك لا يمكن أن يبني فائدة على الصعيد العام، ولا للمصلحة العامة! أما عندهم فالناخب غالباً ما يكون مدفوعاً بأسباب تتعلق ببناء المؤسسات في الدولة على المدى البعيد وقضايا تمس جوهر حياة المجتمع والناس.
العملية الانتخابية عندهم مشتركة بشكل كبير، فالمحاسبة من قبل الناس، وكما لمستها في انتخابات النمسا الأخيرة، هي محاسبة صارمة، فالناس هناك يستندون دائماً إلى برنامج المرشح الانتخابي، ويحاسبونه على كل صغيرة وكبيرة، وردت فيه وبشكل دقيق جداً.
أما أبرز الفروقات بين انتخاباتنا وانتخاباتهم فتكمن في طبيعة العلاقة بين الناخب والمرشح. فبينما هي عندهم علاقة تفاعلية ومتواصلة، تنتهي عندنا بوصول المرشح إلى كرسي البرلمان، وتعود من جديد مع قدوم انتخابات جديدة!
في كلتا الحالتين، حينما يصوت فرد لمصلحة مرشح ما فإنه يقلده وسام الأمانة، لكن تفاصيل أداء تلك الأمانة هي ما تجعل انتخاباتنا فاشلة، وانتخاباتهم ناجحة!
