الأرشيف

انتحار جيل السبعينيات!!

[جريدة الطليعة 11/2/1998]

حينما أقدمت الكاتبة والصحافية المصرية “أروى صالح” على الانتحار في العام الماضي أبدى الكثير من أصدقائها وقرائها دهشتهم لذلك التشاؤم واليأس الذي دفع “بأروى صالح” لأن تنهي حياتها بهذا الأسلوب غير أن قراءة واحدة لأحد كتبها وهو بعنوان “المبتسرون” قد تفسر بعضاً من حالة اليأس التي كانت مسيطرة عليها!!
في كتابها “المبتسرون” والذي تسرد فيه الكاتبة دفاتر لواحدة من جيل الحركة الطلابية تقول “أروى صالح” في خاتمة كتابها:
“اسمحوا لي أن أخصص هذه الخاتمة الوجيزة تحية للحالمين، أولئك الذين كأنهم أبناء جيل السبعينيات ذات يوم فقد كانت لحظة الحلم بإمكانية تغيير وجه الحياة هي الترف الاستثنائي الذي تمتعوا به، وحرمت منه الأجيال اللاحقة فلقد سددنا نحن جيل السبعينيات فاتورة باهظة مقابل تلك اللحظة المبهرة. فإذا بدونا لكثيرين من الأجيال السابقة أو اللاحقة ملائكة ساقطين، فما ذلك إلا لأنهم يصدقون في ملائكيتنا أكثر مما يجوز تصديقه في بشر. فالحالمون في عصرنا على الأقل، لم يعودوا أناساً مسبلي الجفون على نظرة سارحة، وإنما هم أولئك الذين اخترقتهم كل الأوحال التي أثارها تمردهم!!”.. انتهى.
حالة اليأس هذه، والتي دفعت “بأروى صالح” للانتحار، أصبحت سمة مشتركة لجيل السبعينيات، وإن كانت بدرجة أخف وأقل تطرفاً عما هي في حالة “أروى” ولعلَّ أبرز ما يميز جيل السبعينيات عما سبقه وما لحقه من أجيال، إنه الجيل الذي عاصر أهم وأبرز نقاط التحول في التاريخ السياسي العربي الحديث، حيث عاصر في فجر شبابه هزيمة العرب ونكستهم في العام 1967، وهي الهزيمة التي أشعلت فيما بعد حماس ذلك الجيل، وثورته على كل رموز الفساد والغش السياسي، خاصة وأنه جيل يحمل إرثاً غنياً من الحماس والفكر الثوري الذي خلفته الحركات الطلابية في زمن الستينيات!!
جيل السبعينيات هذا لا يزال في أوج شبابه وعطائه، ولا يزال فكره متأججاً مشتعلاً، كما أن القضايا التي تحمس لها وعاصرها وتفاعل معاً، لا تزال عالقة، وباقية، بل ولم يطرأ عليها تغيير يذكر!! غير أن مشكلة هذا الجيل أيضا لا تزال قائمة، حيث أنه طالما عانى ولا يزال يعاني من حالة التقوقع والانغلاق التي كانت سبباً رئيسياً في عزوف الجماهير عنه، وفي شكوك الناس عموماً في جدية طرحه وفكره!! فلقد سيطرت أزماته الداخلية دوماً على كل محاولاته الجادة في خلق تغيير أو تطوير نحو الأفضل!! وأدى افتقاد ذلك الجيل للديمقراطية الداخلية إلى تضاعف الشكوك حول جديته وقدرته. هذا بالإضافة إلى عجزه عن التغلغل في صفوف الجماهير، ومعايشة مشاكلهم وقضاياهم بصورة تضمن تفاعلاً حقيقياً يؤدي إلى عمل وأداء حقيقي وملموس.
إن كل من يقرأ كتاب “المبتسرون” لأروى صالح، سيجد فيه ولا شك تكراراً لأدبيات جيل السبعينيات!! فأروى في كتابها هذا لا تزال تعيش في مناخ إنفجار الحركة الطلابية في نهاية الستينيات، فعلى الرغم من حداثة الكتاب (الطبعة الثانية صادرة في 1997) إلا أنه لم يبتعد كثيراً جوهراً ولغة، وتعبيراً عن ذلك المناخ والفكر الذي كان سائداً في تلك المرحلة!! ولا نقول هنا إن على هذا الجيل أن ينبذ أفكاره ومبادئه، وإنما عليه أن يتمدد بعض الشيء مع الواقع المتغير بعنف وقوة، وأن يخلق حواراً ولغة مع أجيال لم تعاصر فورة الحركة الطلابية في الستينيات، ولم تلسعها نار النكسة كما لسعت وأحرقت جيل السبعينيات!!
نحن بلا شك ندرك جيداً أن الواقع السياسي العربي لم يتغير كثيراً عما كان عليه الحال في الستينيات والسبعينيات، غير أن هنالك أسئلة جديدة، تتطلب إجابات جديدة!! فلم تعد الإمبريالية والاستعمار، والبرجوازية، هي العثرات الرئيسية في طريقنا نحو غد أفضل ومستقبل أكثر إشراقاً!! فالأسلوب العملي في التفكير وفي التحليل والذي أصبح أكثر ما يميز جيل اليوم، يرى في الديمقراطية، ودولة المؤسسات والمجتمع المدني الحديث، طموحات وأهدافاً رئيسية بات على جميع الحركات والأحزاب السياسية الإعلان عنها والتمسك بها كحلول أساسية تضمن بناءوغداً أفضل!!
لغة السياسة الحديثة التي بات على جيل السبعينيات اتقانها للخروج من عزلتهم، ولتأكيد جديتهم في العمل، هي لغة فصل الدولة عن المجتمع، وهي لغة عالمية، وتصريح مهم وأساسي للدخول في القرن المقبل!! خاصة مع العنف الذي أصبحت تمارسه الدولة في مجتمعاتنا العربية في سبيل استمرار سيطرتها على كل المجالات والأنشطة، والأفراد. وهي سيطرة دفعت بالكثير إلى حالة اليأس التي أصبحنا نلمسها عند شريحة كبيرة من المثقفين الجادين والمخلصين، وإذا كانت قد وصلت أقصاها في حالة “أروى صالح” فإن استمرار تلك الحالة قد يخلف أكثر من “أروى”!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى