اليسارية العلمانية!

اليسارية العلمانية!
الأحداث السياسية الأخيرة التي بدأت بأزمة الكتب، ثم بالدعوة للاستجواب، إلى أن وصلت إلى استقالة الحكومة، قد أظهرت للعيان، ولا شك، مدى التناقض الذي لا يخلو من التخبط في أحيان كثيرة، لأصحاب الإسلام السياسي. كما أكدت مدى طغيان لغة السياسة وأهدافها على لغة الدين والعقيدة عند هؤلاء. فبينما يندد أحد أقطاب الفكر السياسي الديني في هذا الوطن، ومن خلال ندوة ناقش فيها قضية الاستجواب الأخيرة، بأولئك الذين يتناولون قضايا لا تمس روح الاستجواب، ويسلكون أساليب تحرض الحكومة ضد التيار الإسلامي، متهماً هؤلاء بأنهم يريدون أن يتصيدوا في الماء العكر، على حد قول النائب أحد أقطاب الإسلاميين، نجده في موقع آخر، ومن خلال مقال نشره في إحدى الصحف، يتبع ذلك الأسلوب الذي سبق أن نهى عنه وحذر من مغبة الوقوع فيه، مبتعداً بذلك عن “روح الاستجواب” التي دعا إلى الالتزام بها ومعمماً هجومه بصورة اقتقدت أدنى قدر من الموضوعية!! يقول النائب الإسلامي الفاضل في مقاله: “نود أن نقرر أن المواجهة مع الوزير تصل في نهايتها إلى مواجهة مع تيار التحلل من القيم بالكويت، والذي يروج لمشروع يقف خلفه العلمانيون واليسار لهز ثوابت المجتمع الكويتي ومقدساته، ولقد أحاطت مجموعة من ذلك التيار، سياسيين وموظفين، وزير الإعلام لتستغل جرأته في إصدار القرارات غير المسبوقة، لكي تفتح باب الإباحية في المجتمع الكويتي!!” (انتهى).
والنائب الفاضل هنا لم يخرج عن “روح الاستجواب” وحسب، وإنما ارتدى رداء الإرهاب الفكري الذي سبق أن ندد به في ندوته!! فأصدر حكمه على الآخرين ممن لا يشاطرونه فكره ورأيه، واتهمهم بالتحلل والتفسخ من القيم والأخلاق السائدة في بلدهم!! وتلك تهمة تتناقض أولاً مع روح الإسلام السمحة، وهي تتعارض كذلك مع أخلاق الاختلاف والتنازع!! ثم من قال أن هنالك مشروعاً أو طرحاً علمانياً أو يسارياً في الكويت.. نخشى منه على المجتمع وثوابته الأخلاقية ومقدساته؟!
إن نائبنا الفاضل بالذات يدرك جيداً أن كل ما هنالك من تجمعات “يسارية، علمانية” على حد تعبيره، لا يعدو كونه طرحاً وطنياً يدعو إلى مطالب شعبية، كالمساءلة السياسية وفقاً لنصوص الدستور، وترسيخ أسس الديمقراطية، وإعطاء الشعب الفرصة لممارسة سيادته، والمطالبة بإصلاحات اقتصادية رئيسية!! وأن ما يميز تلك التجمعات عن التيارات الدينية هو إدراكها لطبيعة المجتمع الكويتي.. ولكونه مجتمعاً مؤمناً مسلماً، ومحافظاً على تراثه وإرثه الأخلاقي والعقائدي، الذي لا يجعله بحاجة إلى مؤسسات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقوة والعنف!! ولا إلى افتعال فتوحات إسلامية، ومعارك بين مشركين من جهة ومسلمين من جهة أخرى.
بل لعل الميزة الحقيقية لتلك التجمعات الوطنية، أو على حد تعبير النائب الفاضل “اليسارية العلمانية” هي في علنيتها المطلقة في الإفصاح عن برامجها السياسية، وأطروحاتها الفكرية!! في مقابل روح التكتم والسرية التي تتميز بها التيارات الدينية، والتي دائماً ما تغلف عملها وأداءها برداء إسلامي بحت، خال من أي هدف أو غاية دنيوية، سياسية كانت أم اقتصادية!
وهو بالتأكيد ما يحاول النائب الفاضل أن ينكره وذلك من خلال مقالته، حيث يقول: “إن التيار الإسلامي له رؤيته الواضحة في العمل السياسي التي تقوم على البناء.. وليس الهدم، وعلى التعاون.. وليس التنافر” (انتهى).
وهو تعاون لا شك أن التيار الديني قد أكد على أنه موسمي ومؤقت، فلقد سبق لذلك التيار أن هادن التيارات الأخرى وتعاون معها إبان فترة حل المجلس، وتعليق العمل بالدستور! وذلك قبل أن يعود بعد عودة الديمقراطية، لينغلق مجدداً عن كل ملامح التعاون بقصد “البناء لا الهدم”!!
لقد سئمنا جميعاً ذلك الخلل الفاضح في مفهوم الاختلاف والخلاف، والأزمات التي عبرنا بها تتطلب منا جميعاً أن نجد مخرجاً من ذلك الخلل الكامن في نفوسنا جميعاً، وذلك قبل أن نشيّد بدلاً منه مدخلاً يؤمن للأطراف كلها تعاوناً صادقاً يقينا جميعاً من شرور الزمان!!
الخطر الحقيقي على الإسلام!!
[جريدة الطليعة 9/12/1998]
في سؤال وجهه أحد المواطنين إلى فضيلة الشيخ الدكتور “عجيل جاسم النشمي” حول التصدق لطالب العلم في الدول الإسلامية الفقيرة!! جاءت إجابة شيخنا الفاضل بأن الصدقة لطالب العلم محببة وحسنة، وإن كانت الأولوية فيها والأفضلية في أدائها لطالب العلوم الشرعية!! بمعنى أن الدكتور الشيخ وأستاذ الجامعة يرى في أن دراسة العلوم الشرعية أفضل وأعلى منزلة من العلوم (الدنيوية) الأخرى!! وبأن المجتمع بحاجة إلى المزيد من دارسي الفقه والشريعة وعلم الحديث بدلاً من دارسي الطب والهندسة، والإدارة وغير ذلك من علوم!!
وجهة نظر الدكتور “النشمي” يعبر عنها جماعة الإسلام السياسي من خلالها (ثورتهم) المفتعلة سواء تجاه محتويات معرض الكتاب، أو تجاه استعدادات فبراير الفنية، أو غير ذلك من نشاطات فكرية أو ثقافية أو فنية لا تعالج أموراً وقضايا تشريعية أو دينية!!
قد لا يعارض أحد (حماس) الإسلام السياسي لما يتعلق بالحفاظ على قيم وأخلاق المجتمع!! كما ولم يعترض أحد على (جهودهم) المشكورة تلك، لو كانت نواياهم فعلاً خالصة ومجردة من الأهداف البشرية المادية البحتة، والتي يدعي حماة الإسلام الجدد بأنهم يترفعون عنها، وينكرونها في مسيرتهم وسعيهم الإصلاحي الإسلامي البحت!! لكن ذلك ليس بواقعهم ولا هو بجوهر أعمالهم ومطالبهم!! فالإسلام السياسي شأنه شأن أي فكر سياسي آخر، يسعى لترويج مفاهيمه ورؤاه الخاصة، وبالصورة التي تخدمه!! ولا اعتراض هنا على ذلك الهدف المنطقي والطبيعي لأي فكر!! لكن الاعتراض يأتي من حيث الأداة التي استخدمها ويستخدمها الإسلام السياسي في خدمة أغراضه!! فالانفراد بالقرآن والسنة، وتسخيرهما بالصورة التي نراها اليوم هو الخطر الحقيقي على الدين الإسلامي، وليس الكتب التي يسعى رواد الإسلام السياسي للحجر عليها!! فتسخير الدين بغرض الخروج بقوانين اقتصادية بحتة كالمرابحة والبنوك الإسلامية هو الخطر!! وتبرير الحجر على حقوق الآخرين بكونه حماية للدين والعقيدة هو الكارثة!! أما انغلاق الدين الإسلامي على نفسه، أمام كل ما يفرضه التطور البشري من تحديات معرفية وعلمية فهو الركود والجمود الذي سبق أن نفاه الدين الإسلامي عن نفسه، بكونه ديناً سماوياً لكل زمان ومكان!! ولعله بفضل تلك الخاصية التي يتميز بها كدين وعقيدة وفكر، استطاع الإسلام أن يضمن استمراراً وامتداداً زمنياً في عوالم وأزمنة متبدلة ومتميزة!! بل نستطيع القول إن الشريعة الإسلامية قد استطاعت أن تخلق مجتمعاً بشرياً متكاملاً بشقيه المادي والروحي!! ومن هنا فإن الإسلام لن يكون عاجزاً عن التصدي لمستجدات العصر أو الزمن الحديث، بل قادراً على أن يحتويها بالصورة التي مكنته دائماً وستمكنه مستقبلاً من الاستمرار والبقاء!!
لا شك أن مهرجان “هلا فبراير” وما قد يصاحبه من مجون وعدم انضباط أخلاقي، على حد تعبير النائب “مبارك الدويلة” لا يمكن أن يشكل تحدياً للإسلام، بقدر ما هو تحد للنائب الفاضل ولحدوده الشخصية في الانضباط!! كذلك يأتي تحذير النائب “عباس الخضاري” من خطورة الكتب التي يرى في أنها “تبث روح الفرقة والطائفية وتمس الوحدة الوطنية”!! يأتي كتحد لقناعات النائب الفاضل الذاتية، والتي يبدو أنها على درجة من الضعف والهشاشة بحيث قد تطيح بها كلمات في كتاب يتيم أو حتى في سلسلة كتب!!
قد لا يدرك هؤلاء أن خشيتهم المفتعلة على الإسلام من مهرجانات غناء أو من معارض كتب هي تقليل من صلابة وقوة الإسلام كدين وعقيدة، ومن قدرته على الصمود في وجه تحديات كثيرة!! خصوصاً أن التاريخ مليء بتحديات شرسة استطاع الإسلام أن يجابهها وأن يخرج منها متماسكاً وصلباً!! بصورة طالما عززت من قدسيته كدين ومن مصداقيته ككتاب مُنزل من عند الله سبحانه وتعالى!! فالإسلام صمد وبقي شامخاً على الرغم من مجون، ورقص وغناء العصر العباسي!! والإسلام كذلك تماسك واستمر بالرغم من تحديات البحث العلمي المطلق، إبان العصر الأندلسي!!
إن أزمة الإسلام الحقيقية هي أن المتدثرين بعباءته أصبحوا لا يترددون عن الجهر بنواياهم الحقيقية، وبصورة أصبحت تشكل خطراً فعلياً على الدين والعقيدة!! ومن هذا المنطلق فإن النائب “مبارك الدويلة” لم يجد حرجاً على الإطلاق في أن يربط بين مطالبه بمنع (حفلات المجون) التي تخالف الشريعة الإسلامية، وبين التزامه ببرنامجه الانتخابي!! مثيراً بذلك سؤالاً ملحاً حول مصادر الخطر الحقيقة على الإسلام؟!

