اليد الخفية

اليد الخفية
شاع منطق المؤامرة في أدبيات السياسة العربية بصورة بدت – في بعض جوانبها – هزلية ومضحكة.
ويؤدي منطق المؤامرة هذا إلى اختزال كبير للوقائع التاريخية التي مهدت لهذا الحدث أو ذاك.
الآن وفي ضوء الفوضى العارمة التي سادت المنطقة، يبرز منطق المؤامرة كأسهل الحلول وأيسر التحليلات ويلجأ إليه عامة الناس كما أهل السياسة والمسؤولون! ولا يخلو بالطبع أي تفسير وفقاً لهذا المنطق من اتهامات مباشرة للصهيونية واليهود الذين هم وراء كل ما ألم في منطقة الشرق الأوسط من كوارث وحروب.
للدكتور عبدالوهاب المسيري رؤية أخرى، عبر عنها في كتابه “اليد الخفية – دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية”، وهي دراسة تركز كما يقول الدكتور المسيري على ما يسمى التفكير التآمري والاتجاه نحو التخصيص الذي عادة ما ينسب قوى عجائبية إلى اليهود، ويزعم أن “يد اليهود الخفية” توجد في كل مكان تقريباً، خاصة في المواقع المهمة مثل مراكز صنع القرار، ويرى المسيري أن هناك تصوراً عاماً لدى الكثيرين بأن اليهود وراء كثير من الجمعيات السرية والحركات الهدامة، بل ويذهب البعض إلى أن ثمة مؤامرة يهودية كبرى عالمية تهدف إلى الهيمنة على العالم وتحقيق المخطط الصهيوني اليهودي، ومع تصرفات إسرائيل ورفضها تنفيذ أي من اتفاقيات السلام أو الالتزام بقرارات الأمم المتحدة وتقبل الولايات المتحدة لهذا الوضع وسكوتها عنه وعجز الكثيرين عن تفسير سلوك إسرائيل وسكوت الولايات المتحدة، بدأ فكر المؤامرة يستشري ويزيد.
يرى الدكتور المسيري أن هيمنة هذا الفكر على العقل العربي هو من أخطر الأمور، فهو يزيد من هيمنة إسرائيل ويجعلها تكسب الحروب دون أن تدخل أي معارك! فالفكر التآمري قد يعبئ الناس في البداية، ولكنه يبث الهزيمة في قلوبهم وينتهي بهم الأمر إلى الهزيمة الداخلية والاستسلام.
وقد أطلق الدكتور المسيري على هذا النموذج من التفكير “النموذج الاختزالي” الذي يرى أنه وراء التصورات التآمرية وأنه يهيمن وبشكل كبير على العقل العربي! وهو – بحسب رأي المسيري – أداة غير كافية وأحياناً مضللة للدراسة والفهم التحليل! كما أن هذا النموذج قد يضفي على العدو قوة لا يستحقها وهالات من المجد هو ليس أهلاً لها.
ويستشهد المسيري هنا بالعقلية الاختزالية العربية التي ضخمت من نفوذ اللوبي الصهيوني وقوته حيث تفسر – هذه العقلية الاختزالية – الوضع كما يلي: الولايات المتحدة دولة ذات مصالح ـ من بين هذه المصالح البترول والنفوذ في الشرق الأوسط ـ يمكن أن تخدم الولايات المتحدة مصالحها عن طريق التعاون مع العرب، ولكنها مع هذا تعاديهم، وهنا فإن العقلية الاختزالية تركن إلى تفسير مثل هذا السلوك اللا عقلاني من قبل دولة يفترض فيها أنها عقلانية بالعودة لعنصر خارجي هو اللوبي الصهيوني الذي يحرك كل شيء، وتصبح هذه المقولة المنطقية الإطار الذي تتراكم داخله المعلومات ولا يختبرها أحد بل ولا يسأل أحد: هل يوجد لوبي تشيلي قوي في الولايات المتحدة يجعلها تطيح بالرئيس اللندي وتؤيد حكم بينوشيه العسكري؟ وهل يوجد لوبي صربي قوي يضغط على الولايات المتحدة وهيئة الأمم بحيث يضطرهم إلى ترك الصرب يذبحون البوسنيين ويكتفي العالم بإصدار البيانات الصارمة؟
مما لا شك فيه أن نظرية المؤامرة أو النموذج الاختزالي كما أسماه الدكتور عبدالوهاب المسيري هو سلوك العاجز الذي أصبحنا جميعاً نجسده في عالمنا العربي! فالنماذج الاختزالية تبسط دوافع الآخر، كما أنها قابلة للتوظيف ببساطة وفي أي اتجاه، فعملية الاختزال التي أشار إليها المسيري هي عملية فصل الحقائق والوقائع عن سياقها الاجتماعي والتاريخي، ومن ثم فرض أي معنى عليها واستخلاص أي نتائج منها.
