
لا نبالغ إطلاقاً إذا قلنا إن أكثر مشاهد الغزو قسوة هو مشهد يوم العاشر من أغسطس، يوم اجتماع مجلس الجامعة العربية والذي بالكاد استطاع أن يخرج يومها بإدانة لغزو نظام البعث للوطن ولانتهاكاته اللاإنسانية، وكاد الاجتماع يومها يخفق في تحقيق أدنى مقومات التفاهم والتعاون بين منظومة الدول العربية، في واحدة من أقسى اختباراتها السياسية.
لم تكن قسوة ذلك المشهد يومها بفعل الموقف العربي المتخاذل وحسب، ولم تكن كارثة الموقف صناعة عربية فقط بل لقد ساهمنا – وإن كان بصورة غير مباشرة – في تأجيج نار ذلك المشهد العربي الكئيب، والذي لا يزال صدى وقعه حاضراً بيننا اليوم.
فلقد كان لنا دائماً تصور حالم، عن حضور كبير وقبول واسع لهذا الوطن وسط أقرانه من الدول العربية، حتى وقعنا في وهم نرجسي كبير، أفقنا منه يوم العاشر من أغسطس 1990.
ولعلّ جزءاً كبيراً من ذلك الوهم النرجسي يعود لآلة الإعلام، التي رسمت للمواطن صورة خيالية ومثالية للعلاقات العربية – العربية يومها… جعلت الموقف العربي تجاه الكارثة يقع موقع الصاعقة في يقين وإدراك المواطن. ولعلنا جميعاً نتذكر جيداً ذلك اللقاء الذي أجرته إحدى شبكات التلفزيون الأمريكية فيما قبل الغزو، مع وزير الخارجية، حيث سألته مقدمة البرنامج عن الإجراء الذي قد يتخذه بصفته وزيراً للخارجية فيما لو تعرض الوطن لمخاطر شبيهة بالغزو.. وعما إذا كان سيطلب نجدة الشرق، وكانت تعني الاتحاد السوفيتي آنذاك، أم نجدة الغرب، فكان أن أجابها وزير الخارجية، بأنه سيلتقط أقرب “تلفون” يصله بالجامعة العربية طلباً للنجدة. وهو موقف قد لا ينكره أحد خاصة فيما قبل الغزو، غير أن أجهزة الدولة الرسمية بمن فيها وزير الخارجية، كانت تدرك جيداً مدى تعذر مثل تلك النجدة.
فبخلاف حقبة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، فإن التحالفات العربية كانت هشة ومؤقتة، تتساقط أركانها مع كل تغيير سياسي يطرأ، ومع كل وجه سياسي جديد.
فلم يكن هناك أدنى درجة من الوضوح في العلاقة تبيح التكهن بموقف عربي مؤيد أو مساند… ولم تكن هناك ثقة في أي من التحالفات العربية بما فيها جامعة الدول العربية فكانت المخاوف والشكوك تتملك كل نظام عربي ضد جيرانه أو أقرانه من الدول الأخرى، وهاجس الخوف من غزو أو هجوم هو الواقع الذي كان مسيطراً على العلاقات العربية – العربية. غير أن أجهزة الإعلام في هذا الوطن كانت دوماً مصرة على طمس تلك الحقائق، والتشبث بطرح واقع هو مخالف تماماً ومن صنع الخيال والأمنية!
اليوم وبعد مرور ما يقارب الستة أعوام على كارثة الغزو، تعود آلة الإعلام من جديد إلى نسجها الخيالي، وإلى فرض الصورة الأمنية عن وطن قوي صلب، وعن علاقات عربية سلسة وعن حضور وقبول للوطن وسط خريطة العالم العربي، ونعود من جديد إلى تلك النرجسية التي أصبحت تنعكس بشكل مؤسف على وعينا، وإدراكنا، بل وحتى في أدبياتنا، وأشعارنا وأهازيج صغارنا بصورة لا تخلو من المبالغة في أحيان كثيرة.
ليس هنالك ما يمنع على الإطلاق من أن نفخر بالوطن أرضاً وحاضراً ومستقبلاً، فذلك حق لا ننكره على أنفسنا وليس هنالك أيضاً ما يمنع من أن نطمح في تحالفات وعلاقات عربية متينة، فتلك أولى صور الانتماء العربي القومي. غير أننا نطمع هذه المرة بشيء من العقلانية والنضج سواء في بناء تحالفاتنا العربية، أو في إبراز صورتنا كوطن صغير ضمن تلك التحالفات والتي تأتي كتعبير عن ضرورات تاريخية، لا عن خيارات شخصية ولا عوامل مرحلية طارئة.
لقد كان أملنا من بعد صدمة العاشر من أغسطس 1990، أن نسوغ العقلنة، في بناء صورتنا الجديدة. غير أننا وللأسف الشديد قد عدنا من جديد إلى فرض تصورنا المثالي، وعادت نرجسيتنا تلح علينا أن نغرس في عقول أطفالنا أننا الدولة الأفضل والدولة الأكثر عطاء ومساعدة لأقرانها، والدولة الأكثر شعبية وقبولاً في المنظومة العربية.
وتلك أمور وإن كانت صحيحة فإنها لا تعدو كونها جزءاً من دور تفرضه معطيات وظروف لا نستطيع تجاوزها بل هي أساس في بنائنا وتكويننا السياسي والاقتصادي العربي والإقليمي.. فمساهمات الوطن الاقتصادية والمالية سواء من خلال صندوق التنمية أو من خلال المساعدات والإعانات والقروض، هي جزء من دورنا التاريخي، تماماً كما كان دور مصر في الحروب العربية – الإسرائيلية، ودور سوريا في قيادة جبهة الصمود والتصدي.
هو واجب علينا إذن أن نخضع الظروف لتلائم أحلامنا وطموحاتنا، لا أن نحلم ونتمنى ظروفاً ملائمة، فالأوطان سلسلة من التجارب والتراكمات، ولم نسمع قط عن حلم خلق دولة أو وطناً!!
