
كانت مدينة لوس أنجلوس الأمريكية إحدى أكثر مدن العالم تلوثاً وذلك حتى عهد قريب!! وبحيث كانت سحب السخام المتكون من عوادم السيارات تحجب أشعة الشمس في الصباح الباكر.
لوس أنجلوس الآن مدينة نظيفة بشهادة سكانها ومتتبعي شؤون البيئة!!
ولم يتم إنقاذ المدينة من خطر التلوث من خلال تخصيص ميزانية فلكية للحفاظ على البيئة!! ولا بواسطة تعيين (اللجان المختصة) التي تتقاضى أجوراً خيالية دون أن تلتقي!! ولا بإعلان خطة خمسية تنقضي مدتها قبل أن تصنع برنامج عملها وخطتها!! فتلك جميعها أمور ثانوية.. ما لم يسبقها “وعي” يشمل المجتمع بكافة أفراده تجاه التلوث ومخاطره فالذي أنقذ لوس أنجلوس من التلوث هو وعي المواطن لخطورة التلوث بصورة مباشرة عليه وإدراكه للدور المنوط به كفرد ضمن مجتمع أكبر!! قبل أن يكون بفضل جهد أو عمل الجهات المسؤولة في الدولة!!
في المجتمعات الصحيحة هناك إحساس من قبل الفرد بأهمية دوره وحساسيته.. وتقدير من المجتمع لأهمية ذلك الدور!! وذلك الإحساس بالاحترام المتبادل بين المجتمع والفرد هو جوهر التطور والتحديث في تلك المجتمعات!! وهو أساس التخلف في مجتمعاتنا!!
والاحترام المتبادل يجب أن يكون من كلا الطرفين، المجتمع والفرد.. بمعنى أن تقدير المجتمع للفرد دون أن يعي هذا الفرد أهمية دوره هو احترام ناقص.. وكما هو أيضاً في حال طموح الفرد لدور في مجتمع يجهض حقه في ذلك!! وقضايانا كلها تعود ولا شك لافتقادنا كمجتمع وكأفراد لتلك الروح في العمل والتعاون!! والأسباب في ذلك كثيرة منها عدم ثقة المجتمع بالفرد، سواء كان ذلك المجتمع أسرة أم مدرسة أو جهة عمل أو حكومة!! وجميعنا ولا شك قد عايشنا تلك الحقيقة إبان مرحلة الغزو البغيض حين تحولت المسؤولية الجماعية عن إدارة استثمارات الوطن.. وتقلصت أو حين ألغي دور الصامدين في إدارة الوطن إبان الاحتلال.. وتسلم النازحون (المعنيون) مهام توزيع الأغذية وتنظيم سير الحياة!! وهو ما يحمل تفسيراً واحداً.. منبعه ولا شك عدم الاحترام للفرد.. وعدم الثقة في مقدرته من قبل المجتمع ممثلاً هنا بالحكومة!!
كذلك تنعكس سلباً عدم ثقة الفرد بدوره.. على ما بحوزتنا من قضايا ومشاكل!! وهو ما نعبر عنه دائماً بوعي المواطن لتأثيره وتأثره بما يلم بالوطن والمجتمع من أحداث ومشاكل وقضايا!! وعدم الوعي هذا يطال الحقوق كما الواجبات!! فلو أننا أدركنا جميعاً حقنا الرقابي لما حدثت كارثة الاستثمارات، ولو أننا أدركنا حقنا المشروع كأفراد من ضمان صحي وتطبيب ومستشفيات متكاملة، لما تراجع الطب والأطباء!! ولو أننا نعي جميعاً حقنا في التدرج الوظيفي لما بقيت القمم الوظيفية قصراً على البعض!! تلك أمثلة لبعض مما للفرد من حقوق لا يعيها بشكل صحيح.. ويتجاهلها غير مدرك أهميتها.. تماماً كما يتجاهل دوره وواجبه في تنمية وتطوير المجتمع الذي يحيا فيه ويمهد لأبنائه وأحفاده للحياة في ظله!! ولنتخيل فقط بهدف التأمل والخيال، لو أن كل موظف قضى ساعات العمل كاملة دون أن يهدر نصفها في قراءة الصحف وشرب الشاي والقهوة، ولو أن كل معلم جاهد في إيصال المعلومة والمعرفة إلى ذهن كل طالب، ولو أن كل طالب خصص ساعات يومية للاطلاع والمعرفة.. ولو أن كل طبيب تمسك بأمانة المهنة وقدسيتها.. ولو أن كل مريض استهلك من الدواء ما هو بحاجته حقاً ولو أن.. ولو أن!! أمور قد تبدو سهلة ويسيرة.. ولكنها تذكرنا بحبة الرمل.. التي حطمت السد!!
لا يزال الفرد في مجتمعاتنا رقماً.. يأتي دوره في حملات الإحصاء والتعداد السكاني فقط!! بينما تترك مسؤولية التنمية وبناء المجتمع إما للظروف والصدف.. أو (لأهل) السياسة!! ولا يزال وعينا وإدراكنا للدور المتبادل بين الفرد والمجتمع. عائماً ومفقوداً وعودة الوعي. لا تكون إلا كما قال ماركس “أن يحل محل سيطرة الظروف والصدف على الأفراد.. سيطرة الأفراد على الظروف والصدف”!!
