
من السذاجة عزل ما يحدث في الكويت عن غيره من الأحداث التي يشهدها العالم بشكل عام، أو المحيط الإقليمي بشكل أخص! وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع ما حدث في ساحة الإرادة وغيرها من تجمعات وندوات، بل وبما في ذلك ما تتداوله منتديات التواصل الإلكتروني، أقول بغض النظر عن كل ما قيل ويقال تبقى الحقيقة الأهم أن هنالك تغييراً هائلاً في الوعي والفكر بل وحتى في طبيعة المطالب!
المشكلة الراهنة تتمثل في أننا، على الرغم من كل نقاشاتنا وحواراتنا، لا نزال نتعامل مع هوامش الأحداث وليس جوهرها!
ولا يزال البعض يصنف ما حدث بكونه إما خيراً مطلقاً وإما شراً مطلقاً، على الرغم من عمومية مفاهيم كالخير والشر!
هنالك قضايا أثيرت، أخيراً، من جميع الأطراف، وهي قضايا تمس جوهر الحياة السياسية في الكويت! لذلك فإن من السذاجة أن يتم تدوينها كقضايا خير أو شر من دون الغوص في تفاصيلها!
فنحن في الكويت في مهب رياح تغيير تعصف بالمنطقة بأكملها، لكننا وبفضل نظامنا الدستوري والديمقراطي استطعنا أن نتلقى معطيات هذا التغيير بأقل قدر من العنف.
تبقى الديمقراطية ممثلة بالمشاركة الشعبية الصحيحة صمام الأمان الأول للصمود أمام شروط التغيير بجميع أشكالها، الديمقراطية بممارستها الحقيقية وليست ديمقراطية الفرعيات والرشى والتزوير! ديمقراطية تؤهل الأكفأ وليس الأقرب ولا الأكثر نفوذاً أو عدداً! ونحن في الكويت، لا شك، قد قطعنا شوطاً معقولاً في هذه الممارسة، وبقي إذاً أن يتم تطهير هذه الممارسة من شوائب شابتها، في ظروف لم تعد الآن قائمة، بل ومن الصعب استرجاعها!
إن عملية الحراك في أي مجتمع بشري هي مسألة حتمية لا يمكن إنكارها، وهي مسألة تستدعي أولاً تحكيم العقل لا العاطفة، وممارسة الانضباط وليس الاندفاع، أما التغيير، فشرطه لكي ينجح أن يكون معمماً وليس في مصلحة شريحة واحدة أو فئة بعينها!
التعامل مع المرحلة التي تمر بها الكويت اليوم، بكونها مرحلة تشكل خطراً على كيانها كدولة، هو تعامل سطحي مع ما يحدث على الساحة الآن! فالخطر يستدعي مواجهة، بينما نحن في حاجة إلى عقل وحكمة لتجاوز ما نحن فيه! نحن بحاجة إلى أدوات تغيير قائمة على الحوار الذي يستدعي بدوره المرونة والتخطيط، وتحديد آفاق الرؤية وأهدافها!
اليوم هنالك وعي مختلف تماماً عن الوعي الذي ساد الثقافة الكويتية في العقود السابقة، وهو وعي يأتي كنتاج مباشر لممارسة ديمقراطية قصيرة في أمدها وبعيدة في آثارها، وإذا كان هنالك خطر حقيقي على الكويت، فهو حتماً سيكون خطر تجاهل مثل هذا الوعي الوليد والخارج من رحم الممارسة الديمقراطية، وثقافة الحريات!
