غير مصنف

الوعي البشري

[جريدة القبس 24/2/2009]

من المؤكد أن مخ الإنسان يوظف العديد من المهارات والخدع لتحقيق غاياته، وعلى الرغم من أن العلم لم يتوصل بعد إلى فهم كامل وشامل لطبيعة عمل المخ، فإن التجارب والأبحاث العلمية في هذا الصدد تزداد نشاطاً وحركة.
ففي بحث طريف نشرته جريدة التلغراف، في فجر التسعينيات، تحاول مجموعة من العلماء رصد طبيعة العقل البشري، وبالتحديد الوعي، مع مقارنة بعض ملكات هذا الوعي بالوعي لدى الحيوانات.
بداية، يرى هؤلاء العلماء أن الإنسان قد طور ملكة التنبؤ بردود فعل الآخرين من خلال وضع نفسه في مواقعهم، بمعنى أن الإنسان لكي يتفوق على غريمه أو منافسه، عليه أولاً أن يتخيل نفسه في وضع ذلك الغريم، وبالتالي يتنبأ بردة فعله.
كبشر، نحن نعي مثل هذا الذكاء الفطري، وملكة التخيل والتنبؤ، والإحساس بالنفس أو بالذات، وبالتالي فإننا نستخدم كل ذلك في تعاملنا مع العالم من حولنا، لكن السؤال الذي يطرحه أولئك العلماء في بحثهم هو عما إذا كان للحيوان مثل هذا الإحساس بالوعي وبالنفس. ولقياس ذلك، فقد جربوا على قرد من فصيلة البابون، كان يراقب إحدى إناث القرود المشغولة بحفر الأرض للحصول على نبات أرضي شبيه بالجذر، فكر البابون في طريقة للحصول على النبات الذي أخرجته تلك القردة، فأطلق صرخة توحي لفصيلة البابون بقدوم الخطر. وبالفعل، ما هي إلا ثوانٍ حتى ظهرت أمّ ذلك البابون وبدأت بمطاردة تلك القردة المسكينة إلى أن توارت الاثنتان عن النظر، عندها، توجه البابون لأكل ذلك النبات الشهي، بعد أن خدع الجميع.
وقد فسر اثنان من علماء النفس ذلك بأنه خدعة من ابتكار البابون الذي كان يعلم أنه إذا ما أطلق صيحته، فإن أمه ستأتي لإنقاذه، معتقدة أن أنثى القرد قد هاجمت ابنها، وأيضاً هو مدرك بأن مطاردة ستحدث بين الاثنتين مما سيوفر له خلوة بذلك الطعام.
التجربة بالطبع تطرح فرضية مهمة، وهي أن عملية الخداع التي مارسها ذلك البابون تعكس نشاطاً عقلياً منبعه إحساسه بذاته أو بنفسه، فالخداع لدى علماء النفس مرتبط بمسألة التنبؤ بردة فعل الشخص المقابل. وهو في حالة البابون كان واضحاً بتنبّئه بردة فعل أمه على صراخه، وأيضاً ردة فعل القردة الأنثى على مطاردة الأم.
من المؤكد أن مسألة الوعي لدى الإنسان قد شهدت تطوراً كبيراً، يفوق في حجمه وأثره الوعي عند الحيوان. لكن الوعي البشري لدى الكثير من الفلاسفة، وعلماء الأحياء ونظرية النشوء والارتقاء، لم يكن أبداً ثابتاً، وإنما شهد مراحل تطور وتحول فرضها التغير الاجتماعي والبيئي، لكنهم (أي العلماء) يحاولون بشتى الطرق الخروج بنظرية حديثة تؤكد وحدة ذلك الوعي البشري، أو ما يطلق عليه بالوعي الجمعي. والشواهد على ذلك نلمسها يومياً في حياتنا، لكنها لا تزال مسألة جدلية لم يحسمها العلم بعد، وإن كانت الأديان قد أكدتها!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى