
على الرغم من أن قضية العمالة الوافدة.. ليست من القضايا التي خلقها غزو النظام العراقي للوطن.. ولا هي بقضية أفرزها التخبط الإداري في مرحلة ما بعد التحرير.. وإنما هي قضية ظلت معلقة طويلاً.. وبحيث بقيت بمنأى عن البحث والتقييم بصورة جدية.. وبالرغم من كل ذلك.. إلا أن غزو الوطن قد أثار تلك القضية فيما أثار من القضايا المتراكمة.
لقد أكدت مرحلة الغزو.. وبشكل قاطع.. أن الوطن يضم أعداداً هائلة من العمالة الوافدة.. والتي تفوق بكثير احتياجاته.. والدليل على ذلك أن عجلة الحياة لم تتأثر.. على الرغم من الهبوط الحاد جداً في نسبة وتعداد القائمين على تشغيل مرافق الوطن.. وتلك حقيقة لم تأت على المستوى الرسمي للوطن وحسب.. وإنما هي كذلك على المستوى الشعبي.. وبحيث أدرك الكثير من أبناء هذا الوطن.. حقيقة ذلك الإسراف في استقدام العمالة الوافدة.. فقط استمرت أغلب البيوت والتي كانت تستضيف ما لا يقل عن العشرة مستخدمين.. استمرت باثنين أو واحد على أقصى تقدير.
الآن.. وبعد ما يزيد عن العامين منذ بزوغ فجر التحرير.. تعود المشكلة للبروز ثانية. فعلى الرغم من ذلك الإدراك الرسمي والشعبي لحاجة الوطن الحقيقية للعمالة.. إلا أن الوضع السابق قد عاد كما هو.. وإن كان على درجة من الاستهتار.. واللامسؤولية.. تفوق بكثير عما كان عليه الحال قبل الغزو. فتجارة الإقامة.. أصبحت تتم بصورة أكثر علنية.. وبأسعار تنافسية.. وحيث يتراوح سعر الإقامة بين 430 و500 دينار.. وتلك أرقام يستطيع المهتمون بالأمر التأكد منها.. وبسهولة.. من نسب البطالة المتزايدة والتي أصبحت منتشرة بين العمالة الوافدة.. فعلى الرغم من كل القوانين الصادرة بحق تجارة.. وتجار الإقامات إلا أن أياً من تلك القوانين لم يطبق.. ولم نسمع عن تاجر للإقامات تم الإفصاح عنه أو محاسبته.
تجار الإقامات لا ينتهكون حرمة الوطن السكانية.. وقدرته الاستيعابية لكل ذلك الكم من الخليط الوافد وحسب.. وإنما هم يهددون كذلك مشروعاته الأمنية. فجولة سريعة في أرجاء الوطن.. وخاصة الصناعية والحرفية منه.. كمنطقة الشويخ الصناعية مثلاً.. لن تثير الاستياء من الوضع وحسب.. وإنما ستثير الذعر فيما آل إليه الوضع الأمني.. فالشويخ الصناعية أصبحت مكدسة بأعداد هائلة من العمالة اليومية.. والتي تتقاضى أجرها باليوم أو بالساعة.. ولا ترتبط بكفيل أو مسؤول مباشر.. منهم جماعات من الشباب الأعزب.. لا تسيطر على سوق العمل في منطقة كالشويخ فقط.. وإنما أحالت مناطق كالجهراء وخيطان إلى مناطق عزاب تتفشى بينهم الجريمة.. والأمراض بسبب الظروف المحيطة بهم.. علماً بأن أغلب تلك العمالة قد جاء بها سماسرة الإقامات فور تحرير الوطن.. وبحيث أغرقوا السوق المحلي بها.. ونظراً لعدم كفاءتها في أغلب الأحيان.. فقد امتنع المواطن عن الاستعانة بها.. مما زاد من تفاقم المشكلة.
ولعلَّ من أبرز مؤشرات الخطر هنا.. ذلك التراجع الخطير في مستوى ومؤهلات العمالة الوافدة.. وحيث ظهر ذلك واضحاً من خلال تناقص أعداد الكفاءات والكوادر المؤهلة من العمالة الوافدة.. في مقابل تزايد كبير في أعداد ذوي الخبرات البسيطة والمحدودة.. والمؤهلات المعدومة أو المتواضعة.
قد لا يسمح واقع الوطن الاقتصادي والاجتماعي بالاستغناء عن قوة العمل المستوردة.. خاصة في مجال الأعمال اليدوية والحرفية المتواضعة.. فالطفرة النفطية.. وما ولدته من ظروف.. جعلت للأعمال المكتبية والإدارية المنزلة الأولى.. إن كان من حيث المردود المادي.. والاجتماعي.. أو من حيث سهولة العمل المكتبي مقارنة بالعمل اليدوي.. أما العمالة المنزلية.. والتي تحظى بالجزء الأكبر من العمالة الوافدة محدودة المؤهلات.. فلا زال تقليصها أو الحد منها.. أمراً مستبعداً.. حتى في ظل كل القوانين التي صدرت بشأن تلك الظاهرة.
العمالة الوافدة.. هي جزء من مسلسل المأزق السكاني الذي يعاني منه الوطن.. وإذا كان تجار الإقامات يشكلون الهم الأكبر في محاولة السيطرة على تلك الظاهرة.. ويعرقلون كل جهود المتابعة والمراقبة.. ويقفون حجر عثرة في سبيل توفير حقوق العمل لتلك العمالة.. فإن الجزء الأهم أيضاً يكمن فيما آلت إليه سمعة الوطن.. خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان واحترامه.. إن كان في الأسلوب الذي يتم فيه جلب تلك العمال.. أو في التعامل معها ومعاملتها.. ولعلَّ زيارة واحدة لأحد مكاتب التخديم في الوطن ستؤكد بما لا يقبل الشك.. تلك الحقيقة المؤلمة.
فمكاتب التخديم.. تماماً كسوق النخاسة.. تطرح أسعاراً تنافسية.. تتفاوت بحسب الجنس واللون والديانة.. وتعرض من ضمن خدماتها استبدال العامل بآخر.. التعهد (بترويض) العامل في حال عدم رضا الزبون، وبتأجيل الدفع لحين الوصول.. مع الضمان.
إن هذه الجموع الكبيرة من العمالة.. لن تسكت طويلاً على الضيم والانتهاك الصارخ لأبسط الحقوق الإنسانية.. ولا بد وأن يأتي يوم تفرض فيه شروطاً.. لا على مكاتب التخديم وحسب.. وإنما على المجتمع بأكمله.. علماً بأن هناك ظاهرة خطيرة قد بدأت في الانتشار خاصة بين العاملات في المنازل.. واللاتي أصبحن يلجأن إلى سفارات دول صديقة.. بل ويلجأ بعضهن إلى معسكرات جيوش الحلفاء طلباً للمساعدة!!
إن كل القوانين الصادرة بقصد تنظيم جلب العمالة ما زالت بمنأى عن التطبيق.. وما زال قانون الحق دوماً مع الزبون، هو القانون السائد والمسيطر في مكاتب التخديم.. بل وما زال الضرب أسلوباً متبعاً في أغلب المكاتب.
فهل سنطمع في محاسبة ومراقبة لمن أحالوا الوطن إلى موزاييك من الأجناس والأعراق والأديان والأهداف.
