الأرشيف

الوزير ذو الحنكة!!

[جريدة القبس 30/6/1997]

لم يكن الوزير شرار يتمتع بحنكة رجل العدل، لأن توجيه رسالته أو اتهامه لوكلاء النيابة لم يمسهم فحسب بقدر ما مس جسم العدالة بأكمله.. وما يؤسف له أن البعض وجد في هذه القضية مرتعاً خصباً لمزاولة أطروحاته الخاوية التي تطعن بجسد الوطن والمواطن**
***
براءة وكلاء النيابة من التهم التي وجهها إليهم وزير العدل، تعتبر فوزاً للمواطن قبل أن تكون فوزاً لمؤسسة القضاء والعدالة، وذلك باستثناء البعض ممن ألمهم أن تخرج العدالة بثوبها النظيف. وأن تبرأ ساحة القضاء من شوائب الاتهام. وبما أن حيثيات القضية قد أكدت على أن ليس هنالك سوء نية، ولا جريمة جزائية أو تأديبية أو أي حالة من عدم المشروعية في أداء وكلاء النيابة، فإن الوضع المنطقي في مثل هذه الحالة، أن يستقيل وزير العدل كاعتذار عن رسالته التي وجهها إلى مجلس القضاء الأعلى.
البعض، وللأسف، قد وجد في قضية الوزير شرار ووكلاء النيابة، مرتعاً خصباً لمزاولة أطروحات كلامية خاوية واتهامات إنشائية تطعن في جسد الوطن والمواطن فبينما يرى النائب الحويلة في تعليقه على احتمال استجواب وزير العدل، أن القصد منه تصنيف الوزير قبلياً، ورفضه لانتمائه فقط، فإن النائب مفرج نهار يشير إلى انتقائية متعمدة تريد النيل من الوزير شرار لشخصه. كذلك يرى النائب حمود الرقبة في أن ما ارتكبه وزير العدل لا يرقى إلى طلب الاستجواب، بينما يرى النائب الدويلة أن القضية قد تجاوزت الأبعاد القانونية وباتت سياسية!!
الوزير شرار هو ابن المؤسسة القضائية، وهو بلا شك خبير بدهاليزها وقنواتها، مما يجعل من الأسلوب الذي سارت عليه قضية وكلاء النيابة، أسلوباً يحمل الكثير من التساؤلات وعلامات التعجب!! فلا يعقل أن يكون وزير العدل، والمحامي الضليع جاهلاً بروتين القضايا والمحاكم، ولا يمكن أن تغيب عن ذهنه قنوات العمل القضائي، أو مسار وإجراءات القضايا بوجه عام، ومن هنا، فإن شكوك المواطن حيال قضية وزير العدل ورسالته لمجلس القضاء الأعلى، تعتبر طبيعية ومنطقية جداً، ويكون الحق العام بمساءلة الوزير واستجوابه، حقاً طبيعياً بل ومسؤولية تتحملها المؤسسات الرقابية.
لا شك أن العدل يعتبر سمة من سمات الآلهة والمختارين من البشر. ومن هنا فقد كانت مهمة إقامة العدل والعدالة بين البشر، مهمة مقدسة تقرّب أصحابها من الثواب والمنزلة الحسنة. وللأسباب ذاتها فقد كانت إقامة العدل دائماً عملية مشتركة، لتساهم فيها أطراف كثيرة، وذلك بهدف تحقيق أكبر قدر من الحياد والموضوعية في التمييز والفصل بين القضايا والمشاكل.
لذا، فإن رسالة وزير العدل، لا تخص وكلاء النيابة وحسب، بل هي تمس جسم العدالة بأكمله. والخطأ الذي ارتكبه الوزير بحقهم هو بلا شك يخدش يقين المواطن وثقته بقنوات العدالة والقضاء.
لقد قيل، وهي مقولة صادقة وصالحة لكل زمان ومكان، في وصف القاضي ورجل العدالة بأنه الشخص ذو الحنكة، تعبيراً عن طول تجربته، وغزارة معرفته بأصول القضاء والعدل، ومن هنا فقد كانت سنوات الخدمة، والعمل في مجال العدل والقضاء، من الشروط الأساسية لكل من يساهم فيه، غير أن حنكة رجل العدالة هذه لم تطل وعلى ما يبدو وزير العدل، والذي كانت تصريحاته وتهديداته التي سبقت رسالته لمجلس القضاء الأعلى شاهداً على مظهر “اللاحنكة” والذي ميز ردود فعل الوزير تجاه مواقف وكلاء النيابة العادلة والوطنية.
العدل، وزارة حساسة، والعدالة مسؤولية جسيمة أمام الله والوطن، و”الحنكة” ستبقى دائماً مدخلاً أساسياً لأي محاولة ترمي لتشييد صرح مقدس من العدالة والعدل، وكلها أمور لا تتوفر إطلاقاً في وزير العدل الحالي، فهل سنبقى طويلاً في انتظار الوزير العادل ذي الحنكة؟!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى