الأرشيف

الوزارة.. هل هي مسؤولية وسلطة… أم!!

[جريدة الطليعة 11-17/5/1994]

مما لا شك فيه أن المسؤولية القيادية هي تكليف لا تشريف.. وأن منصب المسؤول.. في وزارة كان أم برلمان.. هو أكبر بكثير من مجرد (بشت) و(مقص) لشرائط الاحتفالات والمهرجانات.. وهو أمر لا ينكره أصحاب المناصب أنفسهم.. وذلك من خلال التأكيد عليه في خطبهم واجتماعاتهم.. وتصريحاتهم.
لكن الحقيقة على ما يبدو ليست كذلك.. وأن المناصب القيادية في هذا الوطن.. ما هي إلا شكل ظاهري من متطلبات مظهر الدولة والنهج الديمقراطي الذي نؤكد دوماً التزامنا وحرصنا على قواعده وأسسه!!
تصريحات وزير النفط السابق والنائب الحالي.. “علي البغلي” الأخيرة.. والتي أطلقها بحضور جمع من أهالي دائرته الانتخابية.. تثير تساؤلات حول حقيقة الدور القيادي في هذا الوطن.. وعن مساحة الحرية في التغيير والإصلاح الممنوحة للوزير أو للمسؤول..
وعن حقه في المساءلة والمراقبة على الجهات التي هي من اختصاص وزارته أو إدارته!! خاصة وأن ما أثاره وزير النفط السابق من معوقات لعمله، هي ولا بد أن تكون واحدة ومتشابهة في سائر وزارات الوطن.. فالوزير السابق يستنكر أن يكون مسؤولاً بدون سلطة حتى في اختيار مساعديه ومعاونيه.. ويتذمر من تدخل القيادة السياسية العليا في ما يصدر من أوامر وتعليمات.. ويرى أن محاولاته للإصلاح كانت دائماً تتعثر بسبب أولئك الذين يضعون العصي في دواليب مشاريعه وخططه.. ويفتح في لقائه مع جماهير دائرته.. مخزون وزارة النفط من سلبيات وأخطاء دفعت شركات النفط إلى إعلان خسائرها.. التي تهدد بفضها وإلغائها كشركات!!
إلا أنه وبالرغم من كل تلك العراقيل.. فإن وزير النفط السابق استمر في منصبه كوزير.. وإن كان ليس أول من يقنعون بالمنصب دون سلطة.. ولن يكون آخرهم.. فلقد تابعنا جميعاً مقالات الوزير السابق.. الدكتور عبدالرحمن العوضي.. التي عرض فيها تصوراته وخططه الإصلاحية.. والتي لم نسمع عنها حين كان وزيراً وفي موقع مسؤولية وقرار!! إلا أن ما يجعل تجربة وزير النفط السابق تختلف عن قرينه وزير التخطيط السابق هو في كون وزير النفط وزيراً منتخباً.. جاء محملاً بأعباء المواطنين وقضاياهم. وهو أيضاً أكثر العارفين بحقيقة المنصب الوزاري في هذا الوطن.. وبمحدودية صلاحياته.. وسبق له أن استعرض كل معوقات العمل والإصلاح عموماً عبر مقالاته في الصحافة!! بمعنى آخر.. أن وزير النفط السابق لا يمكن أن يكون قد تفاجأ بأسلوب العمل الوزاري.. ولا بماهية العراقيل التي تجابه خطط الإصلاح!! وحتى وإن كان جدلاً قد أُخذ وفوجئ بظروف العمل الوزاري.. فإن التراجع.. والتصريح في حينها عن حقيقة المعوقات الإصلاحية.. كان لا بد وأن يكون له أثر أعمق في نفوس المواطنين.. من أن تأتي تلك الانتقادات بعد أن يخلي الوزير السابق مسؤوليته.. ويلقي بالعهدة إلى وزير آخر.. لا نعلم متى سيبدأ في تبرير عجزه عن الإصلاح هو الآخر!!
لقد عارض فريق من المواطنين.. دخول ذلك العدد من نواب الشعب في الوزارة.. وقد بنى أولئك معارضتهم بناء على تجارب سابقة تؤكد ضيق مساحة الحرية الممنوحة للوزير في هذا الوطن.. وهو ما جعلهم يصرون على بقاء أولئك النواب في أماكنهم كممثلين لشعب.. عن أن يجمدهم ويشلهم الروتين الوزاري.. ومحدودية السلطة وحق صياغة وصنع القرار!!
إذا كانت تصريحات وزير النفط السابق قد أثارت ما أثارته من تساؤلات حول حقيقة الدور القيادي الذي يلعبه الوزير.. فإنها قد أثارت كذلك شكوكاً لدى المواطن في حقيقة الشعارات التي يرفعها نواب الشعب إبان حملاتهم الانتخابية.. خاصة وأن ما طرحه وزير النفط السابق.. مسألة تمس ثقة المواطن بجدية المطالبين بحقوقه.. ممن رشحهم للتحدث باسمه.
قد لا يساور المواطن شكاً في حقيقة وصدق نوايا الوزير السابق.. أو غيره من الساعين للإصلاح من خلال مراكزهم القيادية.. لكن النوايا وحدها لا تطعم خبزاً.. والعاطفة والعلاقات الشخصية وأخلاق الوزير الطيبة.. وشخصية الوزير المثالية.. هي أمور خارجة ولا شك عن أمانة تقييم أداء الوزير!! ولعله في هذا الخلط يكمن مأزقنا.. فطيبة الوزير وحسن تعامله لا يعكسان بالضرورة قدرة على تولي المنصب القيادي.. ولا يشفعان في رداءة الأداء والعمل!!
أرجو أن لا يخطئ البعض فهم ما سبق.. وبكونه دعوة إلى السلبية.. والمقاطعة لتولي مسؤولية المناصب القيادية في هذا الوطن.. غير أنها محاولة للتذكير بأن القيادة وصنع القرار.. هي قدرات تتسم بالتفاوت والاختلاف من شخص إلى آخر.. وأن خير من يقيم تلك المقدرة هو الشخص ذاته.. غير أن البعض يرى أن يخوض التجربة القيادية قبل أن يرضى بالنتيجة والتقييم.. إلا أنه وفي غمار التجربة.. ينسى الكثيرون الدافع من ورائها.. ويتشبث الأكثر منهم بالتجربة وحدها!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى