
تكتب عن دول الخليج فتتحسس إيران، تكتب عن إيران فتتحسس دول الخليج، تكتب عن اليسار في الوطن العربي فيغضب اليمين. تكتب عن اليمين فيغضب اليسار. تكتب عن جماعة عرفات فتأخذ جماعة أبو موسى على خاطرها. تكتب عن جماعة أبو موسى فتأخذ جماعة عرفات على خاطرها.
في نهاية كل قصيدة حاجز تفتيش، وفي نهاية كل رواية.. مجلس طوارئ، وفي نهاية كل مسرحية مؤتمر قمة. فإذا لم يستطع الكاتب العربي.. وفي أدق مرحلة تمر بها أمته أن يعبر عن رأيه لا في الماضي.. ولا في الحاضر ولا في المستقبل.. ولا في حرب لبنان.. ولا في حرب الخليج.. ولا في حرب الصحراء.. ولا عن كامب ديفيد.. ولا عن المقاومة فماذا يكتب؟ عن وحام الأميرة ديانا!!
كلمات ساخرة.. عبر فيها الكاتب الطريف والحزين.. “محمد الماغوط” عن هم من هموم الإنسان العربي.. وهي هموم كثيرة سطرها الكاتب بأسلوب ممتع ومؤلم وساخر في كتابه “سأخون وطني”!! خاصة ما يتعلق منها بأساليب القمع والكبت داخل السجن العربي الكبير!! والذي جعل من الصورة السياسية العامة للبلدان العربية.. خاضعة لعسكرة جامدة.. سواء بأسلوب مباشر عن طريق الجيش والجنرالات.. أم غير مباشر.. عن طريق خطر المعارضة السياسية.. وكبت الحرية.. ومصادرة الديمقراطية!!
وفي كل الأحوال.. فقد أدى ذلك إلى خروج أنظمة عربية.. بلا شعوب فاعلة.. وبلا جماهير فعالة!! أنظمة دأبت دوماً على تزوير وتشويه ومصادرة أية فلسفة سياسية نقدية!! أو أي صوت ناقد صريح.. أو عالي النبرة!! خوفاً من النقد.. يصل في أحيان كثيرة.. وفي مواقع مختلفة إلى الحد الذي يصبح معه مؤسفاً وساخراً.. لا يختلف في وقعه عن أحاديث كاتبنا الساخر “محمد الماغوط”!!
نحن جميعاً نعلم.. لأننا نعيشها حقيقة يومية.. بأن الحرية السياسية.. هي عتبة الخلاف الأولى.. والصدام بين الشعوب وأنظمتها الحاكمة. وهي – أي الحرية السياسية – لا شك تقود معها تحديات عقلانية ومعرفية أخرى.. لن يجدي معها التكتم والتستر على مآزقنا.. ومشاكلنا.. وعثراتنا!! بل على العكس من ذلك تماماً.. وذلك حماية للأطراف كلها.. الشعوب.. وأنظمتها.. وأحزابها.. وتجمعاتها!!
لقد أصبحت حاجتنا الآن ونحن على مشارف قرن جديد.. أن نبدأ في طرح مشروع مصالحة فاعل بين الحاكم والمحكوم.. يكون أساسه الديمقراطية..!! وعماده الحرية الفردية والجماعية!! حتى نطرد الخوف عن الأطراف كلها!! فالمواطن يخاف الحاكم.. والحاكم بدوره يخشى يقظة المواطن.. والمسؤول يخاف الناقد.. والناقد أيضاً يخشى العسكر!! حلقة مرعبة من الخوف.. دفعت بنا إلى بناء دول مدججة بالسلاح والعتاد.. واتفاقات أمنية.. وقوات تدخل سريع.. وبوليس.. وجيش.. وميزانيات مثقلة بديون.. وتبعات مالية!! بينما داخلنا هش.. متآكل.. تُطيح به صرخة من مواطن.. أو كلمة من ناقد.. أو قصيدة من شاعر!! ليس لقوة.. وسطوة في هؤلاء.. وإنما لضعف ووهم في بنائنا السياسي.. والذي يجعله يتصدع من أدنى طرقات النقد.. والمصارحة!!
إن إعادة بنائنا السياسي.. بصورة حضارية.. صالحة لهذا الزمن.. تتطلب أولاً وقبل كل شيء.. إدراكاً لأهمية المعارضة والنقد.. في أية ديمقراطية نتبناها!! فأية ديمقراطية بدون معارضة ما هي إلا محاولة لممارسة استبدادية!! وتمويه وتضليل للفرد وللمواطن.. عن حقيقة ديمقراطية الحزب.. أو الحاكم أو القائد!! المعارضة أو النقد.. تعني مواجهة الداخل.. بدلاً من الاحتماء بالخارج من الداخل!!
المعارضة لا شك كما النقد.. مؤلمة.. أحياناً.. غير أن ذلك لا ينكر أنها وجه الحقيقة الآخر.. والذي بإمكانه أن يكون وجه الحقيقة الأجمل.. لو أننا تعاملنا معه.. بغير التصفية الجسدية والعقلية.. وبغير العنف.. والكبت.. والمقاطعة!
