الوجه الآخر للصراع العربي الإسرائيلي

الوجه الآخر للصراع العربي – الإسرائيلي”
الآن.. وبعد أن مر يوم (الاثنين العظيم) دون أية حوادث أو اغتيالات كما البعض يتوقع.. وبعد أن بدأ الطرفان في فرز بنود الاتفاق الذي تم التوقيع عليه.. يبدو أن السؤال الأكثر إلحاحاً وسط هذا الكم من الأسئلة الملحة.. هو سؤال يتعلق بحقيقة الصراع العربي – الإسرائيلي.. خاصة وأن أغلب الأجيال الحاضرة الآن.. هي أجيال عاشت مراحل الصراع سواء في بدايته مع بداية هذا القرن.. أو في أحداثه الآن ولا نقول نهاياته.. لأن مفهوم الصراع وكما هو متعارف عليه لا يمكن أن تشكّل نهايته أو تؤرخها أحداث يوم.. كيوم (التوقيع العظيم) في البيت الأبيض.. وإنما يتطلب الأمر مرحلة تاريخية بكل أحداثها.. وتداعياتها.. قد تؤدي إلى تخفيف حدة الصراع.. وتأجيله.. لكنها حتماً لا تُنهيه.. ولعلّ الأوضاع القائمة الآن سواء في يوغوسلافيا السابقة.. أو في صحوة النازية الجديدة في أوروبا.. أو في الحروب الإيرانية العربية المتكررة.. لعلّ في كل تلك الأمثلة شواهد ودلائل واضحة وبيّنة تؤكد ذلك.
هناك تعريفات نظرية متعددة لمفهوم الصراع.. نسوق منها هذا التعريف الذي ينص على أن الصراع هو التصادم والتعارض بين طرفين أو أكثر بينهما اختلافات قيمية ومصلحية وينخرطان في سلسلة من الأفعال وردود الأفعال الإرغامية التي تهدف إلى إلحاق الأذى والضرر بالطرف، أو بالأطراف الأخرى مع سعي كل طرف إلى تعظيم مكاسبه على حساب الآخرين وتأمين مصادر قوته.. انتهى.
إذن.. وبحسب هذا المفهوم.. بل وبحسب الوضع القائم الآن في المنطقة.. فإننا.. كأمة عربية ولا نقول فلسطينيين.. لكون الصراع صراعاً عربياً – يهودياً لا فلسطينياً – إسرائيلياً.. نقول إننا مقبلون على مرحلة جديدة من مراحل الصراع القائم.. والتي يبدو أن لإسرائيل مقدرة أكبر وتفهماً أعمق لأبعادها المستقبلية.. تلك المقدرة التي تجلت بوضوح في قراءة كل من الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.. لملامح المرحلة الجديدة.. وهي قراءة نستطيع أن نتبينها جيداً من خلال الكلمات التي ألقاها.. كل من “إسحق رابين” رئيس الحكومة اليهودية. و”ياسر عرفات” مناضل القضية الفلسطينية.. فبينما ترجمت كلمة “عرفات” حالة الخضوع والاستسلام والنظرة الضيقة للمستقبل. جاءت كلمة “رابين” ملأى بالاتزان والفهم.
تحدث عرفات في كلمته عن قضايا عامة.. كحقوق الإنسان.. والمساواة والعمل على إرساء قواعد السلام العادل والشامل في جميع الأطراف وعلى كل المسارات.. ولم يفت “عرفات” التذكير بمؤازرة (شعبه) له.. والالتزام بخط السلام.. دون أن يذكر شيئاً من مراحل النضال.. أو منجزات (شعبه). بينما جاءت كلمة “رابين”.. لتوجز المعاناة اليهودية.. مؤكدة على حضور الشعب في كل إنجاز للحكومة.. ومؤكدة من خلال شعورها إدراك القيادة الإسرائيلية.. بأن المعركة والصراع لم ينتهيا.. وإنما هي الظروف والمستجدات التي تلزم إسرائيل بقبول السلام. وأن ما يجري الآن ما هو إلا مرحلة من مراحل الصراع والنضال الإسرائيلي لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى الممتد من “الفرات إلى النيل” لذا فإن “رابين” يقول.. مستعيناً بالتوراة والأناجيل القديمة.. إن “لكل شيء أواناً وموسماً لجميع الأغراض”..
وبأن هناك “وقتاً للشجاعة.. ووقتاً للموت.. ووقتاً للقتل ووقتاً لكي تندمل الجروح.. ووقتاً للبكاء ووقتاً للضحك ووقتاً للحب.. ووقتاً للبغض.. ووقتاً للحرب.. ووقتاً للسلام”!
ويختم استشهاده.. بأن الآن وقت السلام. أي مرحلة.. لا بد وأنها ستنقضي ليأتي نقيضها وذلك بحسب ما جاء في التوراة.. وبحسب الفهم والاستيعاب الإسرائيلي للمرحلة الحالية.
كلمات “رابين”.. وحيثيات الاتفاق والتوقيع.. تؤكد سمات المرحلة المقبلة من الصراع.. والذي انتقل من كونه صراعاً عقائدياً.. فكرياً. إلى صراع سياسي اقتصادي يسهل الحسم بين وجهات النظر المختلفة فيه لكونها اختلافات تزول بالتفاهم.. ولا يشملها التعارض والتناقض الذي كان قائماً في مرحلة الصراع العقائدي.
الإنجاز العربي في مرحلة الصراع الأولى كان أقل من متواضع.. والأسباب في تواضع الإنجاز يصعب إيجازها في مقال قصير كهذا.. وإن كان اختفاء الفرد العربي من مسرح القرار يعد عنوانها البارز. ويُقبل العرب الآن على مرحلة جديدة من مراحل الصراع العربي – الإسرائيلي.. قد لا نبالغ كثيراً إذا ما قلنا أنهم يملكون مقومات تفوق بكثير مقومات مرحلة الصراع الأولى. أن المهمة الدولية للسيطرة على الصراع في المرحلة الحالية ليست لكون “عرفات” قد جنح للسلم.. ولا لأن “رابين” قد أيقن بمخاطر الحروب ومآسيها.. فعملية السلام مفروضة على الطرف الإسرائيلي كما هي على الطرف العربي.
وإنما هي أساساً لأن صراعاً آخر قد بدأ في البلقان وأن صراعات أخرى تنتظر الهدوء في المنطقة لتشتعل هي الأخرى. وأن الدور الذي على دول المنطقة أن تلعبه في المرحلة الحالية هو دور اقتصادي تمويلي للصراعات الأخرى.. والتي لم يعد بإمكان الدول الصناعية في الغرب.. تحمّل تبعاتها الباهظة سواء بخسارة الأسواق أو الموارد دون تأمين بديل لها.
لقد أيقن العالم من حولنا حتمية وقف الصراع الدائر في المنطقة.. لأسباب اقتصادية بحتة.. وأصبح بذلك أمام العرب – إن هم أحسنوا التعامل – فرصة أكبر في المرحلة الحالية.. فلقد كان العذر العربي الوحيد في تفوّق القلّة اليهودية على الكثرة العربية.. هو في تفوق إسرائيل العسكري من خلال الدعم الأمريكي والغربي لها – أما الآن فقد اختلف الوضع.. وأصبح المال والاقتصاد هما اللغة السائدة – والعرب بلا شك يملكون الكثير.. بل والفائض منه.. فهل سنُحسن استثمار ذلك الواقع.. أم سنجد أعذارنا أيضاً في هذا الوضع.. والتي كانت دوماً أقبح من ذنوبنا؟؟!
