غير مصنف

الهروب من الموت.. إلى الموت

[جريدة القبس 24/6/2023]

هرباً من الموت إلى الحياة، أو من اليأس إلى الأمل، تتراكم أجساد شباب وأطفال في مراكب هزيلة حاملين معهم أحلامهم الصغير منها والكبير، لتقتلع أمواج البحر أجسادهم وأحلامهم معاً، فيثور العالم وتضج وكالات الأنباء في متابعة مأساتهم، وتتحدث منظمات إنسانية وخيرية وشؤون لاجئين وغيرهم لبعض الوقت ثم يصمت كل شيء، وتعود الحياة إلى دورتها لتتكرر المأساة في قارب موت آخر وتعود معه الضجة ثم الصمت.
بين غريق ومفقود تقاسم هؤلاء كارثة القارب الذي واجه مصيره المظلم قبالة الشواطئ اليونانية أخيراً، مرفأ المغادرة كان ليبيا، والوجهة كانت إيطاليا، أما الموت فكان قبالة اليونان، في رحلة اختصرت تفاصيل لنموذج من نماذج التيه البشري في ظل غياب الحس والبُعد الإنساني بأدنى أوجهه.
كارثة قارب اللاجئين الأخيرة حملت معها عذابات 750 مهاجرًا تكدسوا في قارب لا يتحمل ربع عددهم، لتطرح مأساتهم كالعادة سؤالاً حول مسؤولية مثل هذه الحوادث وهوية المشاركين في مثل هذه المأساة المتكررة.
وفقًا للمتداول من الأخبار فقد تم إنقاذ 104 أشخاص من 750 كانوا على متن القارب، تم حصرهم كالتالي: 49 سوريا بينهم فلسطينيون و43 من مصر و12 من باكستان، بمعنى آخر هؤلاء خرجوا من دول تأكلها النزاعات والصراعات والأوضاع المعيشية الصعبة، وعلى الرغم من أنها كلها دول ثرية وفقًا للموجودات والموارد الفعلية، فإن مواطنيها عجزوا عن الحصول على شيء من تلك الثروات، فخرجوا للبحث عن لقمة عيش أو عن كرامة وحرية خارج حدود أوطانهم، لذلك يمكن القول إن دول هؤلاء المهاجرين تتحمّل المسؤولية الأولى في هجرتهم ودخولهم المخاطر، لكن ذلك لا يعفي الآخرين من المسؤولية، فالحروب والأزمات الاقتصادية تسهم فيها ولا شك مؤسسات عسكرية ربحية، ومؤسسات اقتصادية جشعة، ومنظمات دولية نفعية، فالجيوش المُحارِبة في تلك الدول تتحمّل وزر معاناة هؤلاء اللاجئين، وربما مناصفة مع الأنظمة السياسية في دولهم، كما تتحمّل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين مسؤولية، كذلك يقع اللوم على الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل. بمعنى آخر يتحمل المجتمع الدولي بأسره مسؤولية معاناة اللاجئين ومأساة قواربهم المتهالكة.
تهريب المهاجرين أصبح كتهريب المخدرات وغسيل الأموال، ترعاه وتديره مافيات ضخمة وممتدة عبر شبكة تحيط بخارطة العالم، المنكوب منه والمستقر أو الملجأ والملاذ، وجميعنا بلا شك قد سمع عن قصص تهريب البشر والتي راجت وبشكل كبير في التسعينيات مع زيادة حدة التوتر والحروب في منطقة الشرق الأوسط، وكيف أن هنالك قرى كاملة تعيش على ضفاف الأنهر أو البحار باتت تقتات على تهريب البشر ونقلهم إلى أوروبا بالتحديد، حتى أن هنالك قرية مشهورة في إحدى الدول العربية يُقال إن معظم الأهالي فيها أصبحوا يعيشون من تهريب اللاجئين، وهؤلاء لا يمكن أن يعملوا بمفردهم، فمسيرة اللجوء تستدعي تعاوناً من الأطراف كافة سواء من الدولة الأم أو الدولة المُستَقبِلة، بل لقد أصبحت هنالك طرق ومسالك محدّدة تنشط فيها هذه التجارة وتتجاوز دخولها مئات الملايين سنوياً.
ولم تنجح كل مساعي السيطرة على مثل هذه الطرق وعلى تلك المافيات بل على العكس من ذلك، فكلما زادت قيود الحركة فيها تضاعفت التكلفة على اللاجئين لا غير.
شبكات التهريب هذه تضم وكالات سفر، ومصرفيين، ومكاتب تشغيل، وخطوط طيران، ومطارات، وسائقين ومترجمين، ومسؤولين كبار، وهي تدر مبالغ هائلة وصفها أحدهم بأنها لا تقل في أرباحها عما تحقّقه تجارة السلاح والمخدرات أحياناً، هي إذاً تجارة منتعشة لها روادها ومسارها ولم تستطع مفوضية اللاجئين مواجهتها بأي شكل من الأشكال.
المشكلة أن أصول مثل هذه الشركات هي أنفس تحمل أحلاماً وآمالاً، وأرواحاً وبشراً في رحلة هروب من الموت إلى الحياة، في قوارب لا توفر غالباً إلا خيار الموت والمعاناة. أغلبهم وجد نفسه في مواجهة اختيار قاسٍ بين الموت قهراً أو عنفاً في وطنه، وبين الموت غرقاً في أحضان البحر، هي إذاً رحلة بين نوعين مختلفين من الموت لا أكثر. وبين عدالتين مختلفتين إحداهما تتقاعس عن نجدة 750 بائساً وأخرى تستنفر العالم بكل معدات الإنقاذ للبحث عن خمسة مغامرين أثرياء تاهوا في مغامرة غوص للكشف عن بقايا التايتنك.
كان الله في عون اللاجئين لأن البشر منشغلون عنهم برصد ومتابعة أخبارهم ولا شيء غير ذلك.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى