شئون خليجية

الهاجس الأمني الخليجي

جريدة الطليعة 1997/12/31

على الرغم من مرور كل هذه السنوات على نشأة مجلس التعاون الخليجي، وبالرغم من التشابه الذي يكاد يكون تطابقاً بين أنظمة الخليج السياسية. إلا أن المجلس لم يستطع أن يحقق ولو بعضاً من أهدافه المدونة فلا الحدود مفتوحة، ولا التعاون متوفر، ولا فرص العمل موجودة، وهي إن وجدت فإنها تأتي مصحوبة بقيود وشروط، أو بتفاوت شاسع في الميزات الوظيفية كما هو الحال في هذا الوطن.
في كل مرة يجتمع فيها قادة الخليج يتعزز لدينا الشعور بهامشية التعاون بين الدول الخليجية ويتضاعف معها يأس المواطن الخليجي من جدوى المجلس وقدراته الفعلية على خلق مجتمع خليجي واحد.
التعاون ولا شك يبدأ أساساً من قناعات مشتركة بوجود رؤى استراتيجية واحدة، وتطابق في الأهداف المستقبلية وهو أساس ما يفتقده مجلس التعاون الخليجي، وعلى الرغم من بنوده المدونة وبياناته الختامية، إلا أن الأسباب التي كانت وراء إعلانه، لم يكن بينها أي اتحاد في الرؤية المستقبلية ولا حتى مخطط واحد يهدف إلى تحقيق أدنى قدر من التعاون والتفاعل الحقيقي!!
فالهدف الرئيسي من وراء إعلان مجلس التعاون في فبراير 1981 قد كان لمواجهة الأخطار المحتملة من إيران الجديدة مع قدوم الخميني، وإعلانه تصدير الثورة!! حيث انعكس ذلك الهاجس الخليجي على كل ما صدر عن المجلس من قرارات في بداية نشأته فجاء مؤتمر القمة الذي انعقد في الكويت في نوفمبر 1984، بقرار يرمي إلى تشكيل قوات انتشار سريعة مشتركة إقليمية خليجية، قوامها 6 آلاف رجل تحت قيادة فريق سعودي يساعده ضباط من باقي دول المجلس، ويكون مقرها في “شعيب البطن” قرب مدينة جدة. ثم توالت قرارات مشابهة في الاستعداد العسكري تحسباً لأي تحرك إيراني، فأقر المجلس إنشاء قيادة بحرية مشتركة مقرها مدينة “الجبيل” في السعودية بالإضافة إلى وضع خطة لتوحيد نظم الدفاع الجوي!
غير أن انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية في العام 1988، غير موازين كثيرة، كان من ضمنها تبدل في الهاجس الأمني الخليجي حيث بدأت دول الخليج تشعر بالخوف من تلك القوة العراقية التي بنتها وعززتها سنوات الحرب الثماني. وأصبح معها العراق مصدراً للقلق الخليجي بعد أن كان حامياً للبوابة الشرقية، وهو أمر دفع بدول الخليج للبحث عن مصدر آخر للأمن وللحماية، وجدته في الولايات المتحدة الأمريكية بالتحديد، وبدأ بذلك مسلسل اتفاقيات الدفاع والحماية مع أمريكا، والذي دشنه اتفاق الناقلات يومها، إلى أن وصل إلى مرحلة الوجود العسكري الأمريكي الدائم في أعقاب الغزو العراقي!!
لقد طغى الهاجس الأمني لدول الخليج على كل الأهداف والبنود المدونة في إعلان مجلس التعاون سواء كان ذلك الهاجس الأمني الإيراني، أو العراقي أو كان هاجس خوف دول الخليج من بعضها بعضاً. وهو أمر أدى إلى تحالفات خليجية مع دول المنطقة من غير مجلس التعاون فرأينا عمان تلجأ إلى اليمن، وتسعى إلى خلق محور عماني – يمني، يضمن لها دوراً أكبر في منظومة المجلس.. ورأينا قطر تستقوي بالنظام العراقي، في محاولة منها للتعبير عن استيائها من سياسة البعض تجاهها حتى طغى الامتداد الخليجي خارج المجلس على كل محاولة للتعاون الجاد والهادف.
وبالإضافة إلى طغيان الهاجس الأمني، الذي أعاق التعاون الخليجي كذلك يؤكد المجلس دائماً وكما أكد في قمته الأخيرة أن هنالك اختلافاً أساسياً على الخطوط العريضة والتي يفترض أن تكون القاعدة والأساس الذي تبني عليه منظومة دول المجلس، خططها وأهدافها.
لذا فإن الخلاف (المستتر) حول الوضع في العراق، والعلاقة مع النظام الحاكم فيه، والتردد الذي أبداه البعض حول استمرار مقاطعة نظام بغداد هو بلا شك نتيجة لاختلاف جذري في الرؤى الخليجية أساسه خلل في العلاقات لم يتم حسمه.
قضية العلاقة مع نظام الحكم في بغداد ليست قضية كويتية، فاستمرار نظام ديكتاتوري كهذا يشكل خطراً ويحمل تهديداً لاستقرار المنطقة بأسرها. وهو نظام لا شك يلتمس الاستمرار والبقاء من بؤر الخلاف والاختلافات من حوله.
فإذا كان مجلس التعاون، وعبر ثمانية عشر مؤتمراً عاجزاً عن حسم قضية كهذه!! فإن الأمل في أن يحقق إنجازات على المستوى الاقتصادي أو العملي الوظيفي أو حتى الجمركي، يكون حلماً وسراباً.
ليس فيما تقدم تشاؤم، ولا مبالغة. ولكن ذلك هو يقين كل مواطن خليجي يجد نفسه محاصراً بإجراءات وشروط إقامة وعمل وتنقل لا تعكس على الإطلاق أهداف مجلس التعاون المدونة، فتبقى حلماً لا يتجاوز قاعات المؤتمرات الخليجية الفخمة.

الطليعة 1997/12/31

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى