الأرشيف

النموذج الجامعي

[جريدة القبس 18/2/2004]

تعتبر الترجمة عبر التاريخ المدون للبشرية الأداة الأولى لنشر الثقافة وتزاوج الحضارات، فلقد نبغ العرب وتفوقوا حضارياً بترجمتهم أعمالاً وموروثات لثقافات وحضارات سبقتهم كالحضارتين الرومانية واليونانية.
بدورهم قام الأوروبيون بترجمة الأعمال العربية، التي انطلقوا منها لبناء حضارتهم الراهنة، والترجمة علم من العلوم التي تفرد لها الجامعات في العالم كله مقررات ودرجات علمية، وهي تتطلب تخصصاً قبل امتهانها، شأنها شأن مهن أخرى كالطب والهندسة مثلاً، بمعنى أن لا أحد يستطيع أن يمتهن الترجمة دون أن يسبق ذلك دراسة وتدريب مكثفان.
تلك مقدمة كان لا بد منها قبل الدخول في الموضوع محل النقد هنا، والمتعلق بنموذج إقرار عودة لغير الأكاديميين وزعته الشؤون الإدارية في جامعة الكويت، التقرير مترجم من العربية إلى الإنكليزية، وهو مليء بالأخطاء الفادحة التي تثير الضحك والسخرية! ويبدو أن المترجم قد استعان بقاموس عربي ـ إنكليزي ليضع بواسطته تلك الترجمة الفقيرة في المعنى واللغة، ولإعطاء القارئ نموذجاً من تلك الترجمة، نستعرض فقط عنوان النموذج الجامعي، حيث ترجمت كلمة “إقرار عودة” كالتالي: Reoccurence Confirmatio، لتتوالى بعدها المرادفات الإنكليزية المضحكة للنموذج العربي!
قد تكون أخطاء الترجمة عن العربية إلى اللغة الإنكليزية في الكويت أخطاء شائعة ومتكررة، نراها في الطرق، وفي مؤسسات الدولة وفي المستشفيات والأسواق وغير ذلك، فعلى سبيل المثال تتم ترجمة الأسماء حرفياً، أي يترجم الاسم من العربية إلى المعنى بالإنكليزية على الرغم من أن الأسماء تكتب، كما هي ولا تترجم إلى الإنكليزية حرفياً، ولعل أشهر هذه الأمثلة ترجمة “مدرسة الإبداع” إلى Creativity School! وترجمة أحد الأفلام الإنكليزية في تلفزيون الكويت حرفياً بصورة غيرت من عنوان الفيلم تماماً، حيث كان العنوان بالإنكليزية The man who killed Liberty Valance وLiberty Valance هنا هو اسم شخصية في الفيلم ليتحول العنوان بالعربية إلى “الرجل الذي قتل الحرية”!
وإذا كانت مثل هذه الأخطاء في الترجمة شائعة ومتكررة، نراها يومياً من حولنا أينما ذهبنا، فإن خطأ الترجمة في النموذج الجامعي هو قطعاً خطأ لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال! فالجامعة تأتي في صدارة مؤسسات الدولة التعليمية، وهي تملك من الأدوات والتسهيلات في الترجمة ما يجعل من خطأ “النموذج الجامعي” فادحاً! أما كيف تسرب مثل هذا النموذج الشاذ في الترجمة فهو أمر يعكس حالة الفوضى والتدني الإداري والأكاديمي الذي أصبحت الجامعة تعيش تحت وطأته، ويؤكد كذلك انغلاق الأقسام والإدارات في الجامعة على بعضها البعض، وصعوبة التواصل والتعاون أكاديمياً وإدارياً داخل الجامعة، حيث كان بالإمكان الاستعانة بقسم اللغة الإنكليزية أو بمركز اللغات مثلاً عند ترجمة النماذج الجامعية بدلاً من التخبط الذي أفرز مثل هذا النموذج الجامعي المضحك والمبكي معاً!
تقف اليوم جامعة الكويت عند مفترق طرق بين أن تتطور باتجاه أداء أكاديمي وإداري متميز ومتطور، وبين أن تنهار كمؤسسة أكاديمية، خاصة في ظل التنافس الشرس الذي أصبح يطرحه جدول الجامعات الخاصة في الكويت، ومراتبها ودرجاتها العلمية، بالإضافة إلى حالة التمدد في عدد الجامعات ومستوياتها ضمن منظومة دول الخليج.
كان من المفروض أن تساهم الجامعة في ذلك باعتبارها على قمة المؤسسات الأكاديمية في الكويت، وأن تخرج بمشروع لإعادة تصحيح الترجمات إلى الإنكليزية في مؤسسات الدولة ومرافقها، لكن أن تكون هي المساهمة في ترسيخ مثل هذه الأخطاء اللغوية من خلال ترجمات فقيرة كترجمة النموذج الجامعي لإقرار العودة، فإن ذلك أمر لا يبشر بتحديث ولا بتطوير أكاديمي أو إداري داخل المؤسسة الأكاديمية الأم!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى