الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

النكتة السياسية منذ جحا

النكتة السياسية منذ جحا

يقال إن الإنسان هو المخلوق الوحيد القادر على الضحك، أما سائر المخلوقات الأخرى فلها طرقها في التعبير عن الفرح والبهجة، فالكلب يهز ذيله، والقط يحرّك أذنيه، بينما في المقابل يضحك الإنسان عند سماعه طرفة أو تعرضه لموقف مُسلّ.
يُذكر أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كان حريصاً على سماع آخر النكت التي يطلقها الشارع، وقد كان يرى فيها رأي من لا صوت له، فالنكت عادة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، وتعبّر عن احتياجاتهم ومطالبهم! وهنالك مقولة للأديب شوقي ضيف يصف فيها إدمان المصريين على النكت، وبكونها وسيلتهم للتعبير عن آلامهم وهمومهم، وبحسب الكاتب المصري طايع الديب، في كتابه “جمهورية الضحك الأولى، سيرة التنكيت السياسي في مصر“، فإن المصريين هم أصحاب ثاني أقدم نكتة في العالم بعد النكتة السومرية، وقد استعرض الكاتب هنا الهزل السياسي في مصر منذ تولي الراحل جمال عبدالناصر الحكم إلى قيام ثورة يناير عام 2011، بالإضافة إلى استعراضه للمنعطفات التي مرت بها النكتة السياسية تزامناً مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مصر خلال تلك الفترة.
يحفل التراث الشعبي في العديد من الثقافات بشخصيات خيالية لها طرائف وقصص ومواقف تحمل مغزى وحواراً ذكياً وبارعاً، يتناول الأوضاع السائدة على كل الأصعدة، ولعل أشهر تلك الشخصيات في الثقافة العربية شخصية “جحا” التي تعود إلى القرن الأول الهجري، وقد اختلفت الروايات حول أصوله، لكنها اتفقت على ذكائه وفطنة حكاياته التي لا نزال حتى اليوم نتداولها.
مؤخراً تناول مقال في مجلة “الإيكونومست” البريطانية ظاهرة جحا عبر تاريخه، وصولاً إلى ما يوفّره في يومنا هذا من مادة ثرية للكُتّاب العرب الساخرين، وبحسب “الإيكونومست” فإن “جحا” ظهر في الكتب العربية إبان القرن التاسع الميلادي، رغم أنه كان نسخة من حكايات قديمة وردت على ألسنة السلف، ومن ثم ذاع صيت جحا عبر عالم المشرق العربي، ولحق بالعرب حتى سواحل صقلية على المتوسط، حيث عُرِف هناك باسم “جيوفا”، بينما اختلطت أسطورته في تركيا بمتصوف غامض عُرِف باسم “نصرالدين”، وذلك قبل أن يصدّره العثمانيون إلى البلقان حتى إنه يشاع بأن جحا قد ألهم مؤلف الرواية الشهيرة “دون كيشوت”.
وتختم “الإيكونوميست” بقولها إن صنّاع القرار في الغرب أدركوا أثر جحا وقوته السياسية، لذلك فقد زارت العراق في الخمسينيات سينما أمريكية متنقلة لعرض بروباغندا مناهضة للشيوعية بطلها رجل يدعى جحا!
شر البلية ما يُضحِك، مقولة شائعة في الثقافة العربية بشكل عام، وبلاوي العالم العربي اليوم لا تُعد ولا تُحصى، لذلك أصبح الناس يتنفسون من خلال النكتة والسخرية، والتي غالباً ما يكون تأثيرها ممتداً عبر شرائح المجتمع كبيرها وصغيرها، تُزعج من تُزعج وتُهوّن على المظلومين والمقموعين والضعفاء ألم ضعفهم، أو كما قال الروائي البريطاني الساخر جورج أورويل “كل نكتة صغيرة هي ثورة تدمّر العظمة وتُسقط العظماء من كراسيهم، إنها ثورة تُضحكنا كثيراً، لاسيما عندما تكون سقطتهم مدوية”.
النكتة السياسية منذ أيام “جحا” وإلى يومنا هذا سلاح من لا صوت له، فهي جهاز معارضة ذكي ومتكامل إن أُحسِن استخدامه وتم تحديد هدفه.
لكن النكتة السياسية في عالمنا العربي لا تزال تعاني أحكاماً عرفية وعقوبات قد تصل أحياناً إلى الإعدام في ظل الأنظمة الدكتاتورية، لذلك يجهل الجميع مصدر النكتة السياسية، لذلك يتم تداولها من دون مرجعية، تماماً مثل جحا الذي بقي غامضاً بشخصيته، لكنه استمر ناقداً ونافذاً بأثره.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى