شئون خليجية

النفط لا المجلس هو سيد الموقف

جريدة الطليعة 1996/12/11

 

في العام 1938، انطلقت أول حركة شبه منظمة في البحرين للمطالبة بإصلاحات سياسية ووظيفية، ومؤكدة على ضرورة احترام إرادة الشعب. وقد كانت تلك الحركة تعبيراً عن انطلاقة شعبية قامت نتيجة لتصاعد وعي الناس ونمو إدراكهم وشعورهم باختلال الميزان السياسي في بلادهم.
وفي السنة نفسها، في مايو 1938، رفع المواطنون في “دبي” مطالبهم الإصلاحية وسلموها للشيخ آنذاك راشد بن سعيد المكتوم حيث طالبوا بوضع ميزانية للبلاد ونظام للخدمة المدنية، بالإضافة إلى إعادة ترتيب أوضاع دائرة الجمارك، والصحة في المدينة.
كما انطلقت المطالب الشعبية من الكويت وفي العام نفسه 1938، منادية بحياة ديمقراطية وإصلاحات سياسية وإدارية.
من خلال ما سبق عرضه من موجز مختصر جداً لأحداث المنطقة في العام 1938، لا شك أننا لن نستطيع أن نعتمد “المصادفة” كتفسير لتزامن الأحداث تلك في كل من دبي والبحرين والكويت وإلا نكون قد ألغينا التاريخ السياسي منه والزمني.
لذا فقد جاء الإعلان عن تشكيل مجلس التعاون الخليجي في العام 1981 كاستجابة طبيعية ومنطقية لطبيعة الانصهار والتداخل التي تتميز بها منظومة دول الخليج. غير أن فشل المجلس وعبر سنواته كلها عن تحقيق أدنى درجات التعاون والتنسيق بين دوله، وعجزه عن الفصل في أي من النزاعات العالقة بين أعضائه، مما دفع بهؤلاء للجوء إلى هيئات ومؤسسات دولية لحسم تلك الخلافات لكن ذلك قد دفع بالمواطن الخليجي لليأس من فعالية المجلس والتشكيك في أهدافه. قد لا تكون مصادفة على الإطلاق أن يأتي إعلان مجلس التعاون بعد عام ونصف العام من اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية.
بل لعلَّ من أهداف الإعلان الرئيسية آنذاك هو خلق جبهة بامتداد الخليج العربي لمواجهة الخطر الإيراني المتمثل في تصدير الثورة، ولمساندة العراق في تصديه لذلك الخطر. وإذا كان الوضع قد حظي بموقف موحد آنذاك، بسبب تفاقم الهاجس الأمني لأنظمة دول الخليج، فإن التطورات الأخيرة في المنطقة تفرض تحديثاً لمنابع القلق الأمني، بعد أن برزت إيران على الساحة الإقليمية بقوة كبيرة وذلك بعد حرب الخليج الثانية.
إذن وفي ظل أهداف ضيقة كهذه، لن يستغرب أحد من عجز المجلس عن تأدية دوره الأساسي في تعميق وتطوير التعاون بين دول الخليج في مختلف المجالات، وبما يعود على شعوبها بالخير والنمو والازدهار وقد يكون من المؤسف حقاً القول هنا أن مجلس التعاون قد ساهم في إبراز الخلافات الخليجية أكثر من مساهمته في خلق أطر سليمة للتعاون. حتى لقد اعتاد المواطن الخليجي على استعراض للمشاكل العالقة بين أنظمة الخليج، في كل مرة يدعو المجلس فيها أعضاءه للانعقاد حيث تنضح وبشدة طبيعة المخاوف التي تحملها أنظمة دون الخليج من بعضها البعض، والتي جعلت التعاون والتنسيق مع دول الجوار شبه مفقود. فالكل خائف من الكل، والقضايا الحدودية والأطماع التوسعية تتصدر كل الحوارات القائمة بين دول المجلس.
غير أن الفشل الإداري لأنظمة دول الخليج، لا يعني إلغاء أو تجاهل حتمية الانصهار بين دول المنطقة، والذي تفرضه أحداث سياسية جارية، وتاريخ نضالي واحد لشعوبها، وامتداد طبيعي لمعاناة وهموم المواطن فيها.
المؤسف حقاً هنا أن الجدل الأخير الذي ثار بين دول مجلس التعاون الخليجي، لا يمثل وجهة نظر المواطن، ويعكس بوضوح حقيقة أولويات المجلس، والتي لا تشمل وبكل تأكيد الشأن الخليج، ولا المواطن الخليجي والذي لم يعد يقلقه كثيراً اجتمع المجلس أو لم يجتمع. بل لعلَّ الملاحظة الوحيدة التي يمكن رصدها هنا هي في تراجع قناعة وإيمان المواطن بجدوى المجلس ومصداقيته.
الانصهار الخليجي، قد تفرضه الجغرافيا والتاريخ، وهو أقوى من كل الخلافات العالقة وقضايا الحدود المعلقة. كما أن الانصهار الخليجي أصبح ضرورة تفرضها التكلفة الغالية لحرب الخليج والتي دفعها المجتمع الصناعي، ثمناً لظروف التجزئة في منطقة الخليج، وذلك أثناء تدافعه للحفاظ على منابع النفط وآباره.
لقد أكدت حرب تحرير الوطن، وما سبقها من غزو واحتلال أن النفط، وليس مجلس التعاون الخليجي هو سيد الموقف في المنطقة، على الأقل في المرحلة الراهنة. وإذا كان المجتمع الصناعي قد استطاع أن يتدارك الوضع أثناء الغزو والذي كان ناتجاً عن خلل تاريخي في رسم صورة قوية ومتماسكة للجسد الخليجي، فإن تكرار العملية هو أمر في غاية الصعوبة، سواء مادياً أو معنوياً. مما يعني أن وحدة الدول الخليجية قد تكون مطلباً غربياً في سبيل الحفاظ على النفط في إطار نظام خليجي واحد ومتماسك، يسهل التعامل معه والتحرك من خلاله.
قد يكون هذا حديثاً ضعيف الحجة، وإن كان ذلك لا يمنع من القول، بأن النفط هو العنوان الرئيسي لكل المشاكل الخليجية، سواء كانت قضايا حدود، أو هيمنة، أو اتحاد. ومن يدري فقد يحقق صراع البحرين على النفط ما عجز عنه “اتفاق الأشقاء” في مجلس التعاون!!

الطليعة 1996/12/11

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى