الأرشيف

النبوءة البيئية

[جريدة القبس 2001]

حين انصرفت فلول جيش النظام العراقي، وانسحبت من أرضنا الطاهرة في فبراير 1991 سيطرت فرحة الحرية ونشوة الخلاص على كل هم وهاجس وألم، يومها لم نكن نرى أو نشعر سوى بشمس الحرية الدافئة، التي لم تطفئها جذوة نيران الحقد المتقدة من آبار النفط المحترقة.
غير أن ذلك اليوم المشرق من فبراير 1991 حمّل معه همّاً جديداً، وضحية جديدة تنزف باستمرار بشراً وشجراً وتربة ومياهاً، فالتلوث البيئي الذي أحدثه جنون النظام العراقي أصبح الآن أكثر صراحة وحضوراً.
أما ضحاياه فيقفون شاهداً على واحدة من أشهر الجرائم البشرية بحق البيئة، التي حذر منها الكثير، بل كان البعض يشير ويحذر من احتمال ظهور تلك الأضرار البيئية على البشر، وعلى كل المخلوقات الحية بعد خمس إلى عشر سنوات من التحرير وها نحن الآن نعيش واقع تلك النبوية البيئية. وإذا كانت كارثة نفوق الأسماك والهوائم والمد الأحمر أيقظت لدى الكثير منا هاجس البيئة، ومخاوف تلوث البحر والتربة، فإن الواقع البيئي للمنطقة ككل أصبح يحمل مؤشرات خطر مهدداً الحاضر والمستقبل معاً.
وهو خطر لا يدرك الحدود الجغرافية ولا السياسية، وبذلك فهو مختلف في مداه وأثره عن كارثة الغزو ودمار الحرب مما يجعله مسؤولية جميع دول المنطقة، لا الكويت وحدها. وإذا كان البعض رأى في الغزو شأناً كويتياً عراقياً، وتعامل معه وفقاً لذلك التصور المنظور، فإن الوضع يختلف في حالة البيئة، وكل ما يتعلق بها ويعلق بها من ملوثات ومخاطر وإهدار لمصادرها وثرواتها وتشويه لنقائها وطبيعتها، وإنطلاقاً من هذه البديهة يكون صدام حسين عدواً للجميع، وأن أضراره لم تلحق بالكويت والعراق فقط، بل امتدت إلى كل بقعة وكل أرض.
فبالإضافة إلى ما أشعل من حروب في المنطقة، وما استخدم من أسلحة فتاكة وغير تقليدية سواء ضد الأكراد أو ضد الإيرانيين، إلى جانب ما أحرق من آبار نفطية، وما أهدر من هذه الثروة القومية، فإنه أيضاً أربك الطبيعة وأخلَّ بتوازنها الذكي ونظامها الدقيق من خلال تجفيفه للأهوار العراقية، الذي أدى إلى زيادة الهوائم البحرية، وسبب في تغيرات مناخية أثرت سلباً في الهواء وفي الطبقة القريبة من سطح الأرض.
وإذا كان نفوق الأسماك وانتشار الهوائم البحرية هدد الثروة السمكية أحد أهم مصادر الغذاء في المنطقة، فإنه ليس سوى بداية لكوارث بيئية يحملها ذلك التجفيف المجرم للأهوار العراقية. والذي بدأه طاغية بغداد إبان الحرب العراقية – الإيرانية، ويكفي أن نشير هنا إلى أن لهذه الأهوار أهمية بيئية تجعلها كالرئة التي تحفظ للبيئة توازنها ونقاءها، وإنها كانت مأوى لحوالي 120 نوعاً من الطيور النادرة التي هجرت المنطقة بعد أن أفزعتها آلة الحرب وجريمة الطاغية.
إن أفظع ما في الحروب هو مخلفاتها، التي غالباً ما يكون أثرها أعمق بكثير من الحرب ذاتها، وتأتي البيئة دائماً كأولى ضحايا الحروب وأبرز مخلفاتها. وحربا الخليج الأولى والثانية أفرزتا ظروفاً بيئية مخيفة ومؤسفة تتطلب تكاتفاً وتعاوناً للسيطرة عليها، وللحد من مخاطرها على الصحة النفسية والبدنية.
أما ضرورة الالتزام بمثل هذا التكاتف، فأكدتها كارثة نفوق الأسماك الأخيرة، التي شهدت آثارها حدود الكويت مقتحمة المياه الإقليمية الإيرانية مما دفع جميع الأطراف لبدء مسيرة تعاونية جديدة من خلال التنسيق الكويتي – الإيراني لمحاصرة التدهور البيئي الذي سمم مياه الخليج.
لقد تحققت النبوءة البيئية التي أشار إليها البعض في أعقاب تحرير الوطن، وها نحن الآن في مواجهة صراع مر ومؤلم مع أمراض كانت شبه نادرة في المجتمع الكويتي، وسماء معبأة بأتربة كيماوية ملوثة ومياه انتحرت فيها الأسماك!! وتربة هجرتها نباتات الصحراء النقية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى