الأرشيف

الناقلات.. والدوائر المغلقة!!

[جريدة الطليعة 2/12/1998]

في مطلع الثلاثينيات من هذا القرن، خرج النظام المصرفي السويسري بسياسة مصرفية تتسم بالسرية والتكتم على حسابات المودعين فيه، وقد كانت الأموال اليهودية الهاربة من مطاردة النازية آنذاك هي الدافع الرئيس من وراء إنشاء ذلك النظام المصرفي السري، والذي أصبح فيما بعد مبعث فخر واعتزاز أهل المال والاقتصاد في سويسرا. ولقد حاولت الحكومة السويسرية في ذلك الوقت أن تفرض شيئاً من رقابتها على تلك الحرية المصرفية المطلقة لمنع أي استغلال سيىء لها، إلا أنها عجزت عن ذلك!! إلى أن وجدت تلك البنوك نفسها مضطرة إلى فرض شيء من الرقابة الذاتية وذلك في أعقاب فضيحة حدثت في أحد البنوك، حيث استغل أحد المدراء حالة السرية تلك ليقوم من خلاله بتحويل ما يقارب بليوني دولار لإحدى الشركات التي يملك فيها ذلك المدير حصة كبيرة، وبحيث جرى توظيف تلك الأموال في مشاريع كان أغلبها خاسراً!! وبالطبع فقد كان من نتيجة ذلك أن خسر البنك خسارة فادحة، دفعت بالبنوك السويسرية آنذاك لأن تبادر بنفسها لاتخاذ الحيطة والخروج بقوانين تنظيمية تغلق من خلالها تلك المنافذ التي استخدمها أحد مدرائها في تحقيق تلاعبه على النظام المصرفي بأكمله!!
اليوم، ونحن نتابع مسلسل فضائح اختلاسات الناقلات، والذي تفضلت جريدة “القبس” بنشره، تراودنا الشكوك في قدراتنا الذاتية على الردع بالصورة التي تجعلنا بمأمن من احتمال تكرار مثل هذه السرقة الكبيرة!! فتفاصيل السرقات تثير الحزن والأسف على ما آلت إليه نفوس البعض، بالإضافة إلى ما تثيره من غضب وسخط على ذلك التسيب والخلل الذي منح السارقين كل تلك الحرية والاطمئنان في تنفيذ سرقاتهم.. فالتفاصيل تشير إلى أن الجريمة لم تقع بغتة ولا بين يوم وليلة، بل كان لها امتداد زمني طويل، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على غياب الرقابة والمتابعة على مؤسسات مالية ضخمة ومهمة بهذه الصورة!!
كما تؤكد حيثيات السرقة على ثقة مرتكبيها ويقينهم في عجز مؤسسات الدولة عن تتبع قضايا بهذا الشكل، أو توجيه تهم مباشرة لأسماء وشخصيات مهمة وبارزة مما جعلهم يجاهرون في إنفاقهم المشبوه، والذي تشهد عليه حانات وأندية القمار الإنجليزية!!
لا يجب أن يقتصر تعاملنا مع فضيحة الناقلات على عقاب المتهمين فيها وحسب!! فعلى الرغم من أهمية القصاص في جرائم وسرقات كهذه!! إلا أننا إذا توقفنا عند حد القصاص نكون قد عالجنا الأعراض من دون أن نغوص في مسببات الداء وأسبابه!! مما يعني أننا سنكون معرضين دوماً لأعراض مشابهة لسرقة الناقلات!!
المتهمون في قضية الناقلات اعتمدوا في جرائمهم على ثغرات في نظام إدارة المؤسسات بشكل عام!! فمؤسسة بهذا الحجم لا يجب أن تبقى إدارتها ولسنوات طويلة قاصرة على حلقة مغلقة وضيقة من الإداريين، وبصورة سمحت للمتهمين فيها من تمرير سرقاتهم، وتوثيقها من خلال تلك الحلقة الضيقة والمغلقة!! ولولا ظروف الغزو التي أحدثت شرخاً في تلك الحلقة، مما قطع وعطل الاتصال بين أعضائها، لما كان بالإمكان اكتشاف ذلك المسلسل المرعب من السرقات!!
إذاً هي الصدفة وحدها التي أدت إلى كشف ذلك الإرهاب المالي، وليست جهوداً وإجراءات استثنائية لمراقبة أداء الشركة وعملها!! مما يتركنا نواجه احتمالات أن يكون هنالك (خلل) مشابه لسرقة الناقلات تحتل فصوله وتفاصيله مؤسسة أخرى من مؤسسات الوطن تدار بالعقلية نفسها ونهج الحلقة المغلقة والضيقة التي كانت تدار بها “الناقلات”!!
لقد سبق أن حذر بعض المخلصين القريبين من المؤسسات المالية والاستثمارية الوطنية، من الأخطار التي قد تسببها قرارات وسلوكيات بعض القيادات البارزة في الحقول الاستثمارية، كان أحدها قرار شراء “سنتافي” والذي يُقال إنه قد أمد المتهمين البارزين في فضيحة الناقلات بالأرضية والمناخ الملائم لبدء عملياتهم وسرقاتهم المنظمة والمدروسة!!
إن الفصل في قضية الناقلات لا يجب أن يتوقف عند ساحة القضاء فقط!! بل يجب أن يمتد إلى كل “الدوائر المغلقة” في مؤسسات الوطن الأخرى، والتي تتمتع بحريات مطلقة جعلتها في عزلة عن رقابة الدولة وفي مأمن من عقوبات وتشريعات القضاء، فالرقابة كما يقال، هي خير من ألف علاج، فما بالنا بوقاية تقينا كوارث اقتصادية واستنزافاً مالياً، قد يجعلنا عاجزين حتى عن توفير العيش الكفاف للمواطن!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى