
حسناً فعلت الحكومة بنفيها الفوري لما تداوله البعض حول تعديل في مواد الجنسية، قد تحمل حرماناً لبعض المواطنين من الترشّح والانتخاب. فالقضية هنا لا يترتّب عليها الحرمان فقط، وإنما تَتَداخَل مع مفهوم المواطَنَة والانتماء بشكل عام وخطير. كما إن الخلط بين من تعمّد التزوير للحصول على الجنسية، وبين من استحقها وفقاً للقانون فيه غبن وتجاوز على ما نص عليه قانون الجنسية أساساً.
الانتماء سواء لوطن أو لعرق أو لعقيدة أو لفكر معين هو حاجة فطرية لدى البشر، فالإنسان بطبعه يسعى دائماً لأن يكون منتمياً لجماعة أو لأرض. مثل هذه الحاجة الفطرية تطورت لدى الفرد مع تشكّل أول مظاهر المجتمعات البشرية، وذلك قبل ان يتمدّد مفهوم الانتماء ونزعته مع توسّع مفهوم الدولة الحديثة، بحيث دخلت على فكرة الانتماء شروط تنظيمية وقوانين ونظم، منها على سبيل المثال وثيقة الجنسية، التي تُعتَبَر بمنزلة وثيقة للإقرار بحب الوطن والحفاظ عليه والذود عنه.
الكويت بلد صغير جغرافياً وسكانياً، تَشَكّل قوامه من هجرات قَدِمَت من أكثر من جهة وصوب، ومع إعلان الدولة الحديثة، بدأ ظهور القوانين التنظيمية، ومنها قانون الجنسية، ثم أقَرّ الدستور شروط المواطَنَة، واستعرض الحقوق والواجبات النابعة عنها.
تحوي قوانين الجنسية في كل دول العالم على شروط للحصول عليها، وبالتالي تحقيق الانتماء بشكل إيجابي يكون مصدره الشعور بالأمان، والحصول على التقدير الاجتماعي، والمشاركة السياسية والاجتماعية ضمن أُطُر النصوص والإجراءات المُعتَمَدة. وكل ذلك لا يكون إلا في ظل توافر قوانين راسخة يتم تطبيقها على الجميع وبلا استثناء، وبغض النظر عن الفترة أو المرحلة الزمنية لاستحقاق الجنسية، مثل هذا الوضع يحدث في العالم الغربي، حيث تكون القوانين هي الفيصل، وهي ما يحدّد علاقة الفرد بمحيطه الاجتماعي والسياسي، لكن في دولنا العربية، وبكل أسف، لا تزال أمور الجنسية والانتماء أوراقاً تدخل أحياناً في اللعبة السياسية، وبشكل مُحبط ومثير للنزعات والشكوك.
الجنسية بشكل عام هي تفويض بالانتماء الذي يتعزّز فيما بعد، ليس لفظياً وحسب، وإنما سلوكياً وفعلياً، فتزيد الرغبة لدى الفرد في تقديم الولاء للوطن طوعياً وبمحبة وإيثار.
البعض للأسف يخلط جاهلاً او متجاهلاً بين الهوية الوطنية، والمواطَنَة، فالأولى تعني لغوياً حب الوطن والانتماء إليه، بينما تعني المواطَنَة كل الممارسات والسلوكيات تجاه الوطن، والتي تشمل التمتّع بالحقوق وأداء الواجبات بدءاً بنظافة الطريق، وصولاً إلى احترام القانون، بحيث يكون كل ذلك، سواء حقوقاً أو واجبات، ضمن إطار قانوني مُدَوّن ومُمارَس يقع على الجميع وبلا استثناء، بمعنى آخر، تأتي المواطَنَة بمنزلة ترجمة سلوكية لمفهوم الهوية الوطنية، وذلك بالتحديد ما نعاني منه، سواء في الكويت أو في أي من دول العالم العربي، والتي يشهد أغلبها تبايناً كبيراً بين ما يطرحه الساسة والمثقفون والعامة من أحاديث وحوارات ونقاش حول مفهوم الهوية الوطنية، وبين ما يعكسه سلوكهم في ممارسة المواطَنَة الفعلية، لذلك نجد الفاسدين سياسياً ومالياً يتشدّقون بالهوية الوطنية ويمارسون النقيض، ويستشهد بها المزورون والخارجون على القانون، بينما تُناقضها أفعالهم وسلوكياتهم.
القانون هو الفيصل في بناء مجتمع سليم، يتمتع جميع أفراده بالواجبات قبل الحقوق، هو المظلة التي توفّر للجميع حقوقهم وترفع عنهم الظلم، وتحمي كل منتسبيه، ثقافة حكم القانون وسيادته على الجميع وبلا استثناء هي التي أمّنَت للمجتمعات الأوروبية استقراراً وأمناً لم يؤثر فيهما مئات الآلاف من المتجنسين المهاجرين، الذين ربما لا يتحدث أغلبهم لغة تلك المجتمعات. لكن لغة القانون هي التي جعلتهم يشعرون بالمواطَنَة سلوكاً وفعلاً، وذلك من قبل أن تؤمّن لهم وثيقة الجنسية هوية ووثيقة وطنية.
غالباً ما تأتي أقصر الطرق لتحقيق الأمن والاستقرار من خلال ممارسة فِعل وسلوك المواطَنَة المدعومة بسلطة القانون تنظيمياً، حينها لن يحتاج أحد إلى مراجعة قوانين الجنسية بهدف تحديد المنتمين إليها أو المستحقين لها، فشعور المواطَنَة كفيل بأن يخلق مجتمعاً متناغماً يحترم أفراده القانون ويحترمهم هو في المقابل.
