
يلعب المهرج في الأدب الشكسبيري دوراً غاية في الأهمية، وهو دور أعمق وأبعد بكثير من القفشات الكوميدية التي يؤديها، فهو يؤدي دوراً مزدوجاً لجذب الجمهور، والتلميح إلى حبكة العمل المسرحي. ويعمل المهرج على تحقيق ذلك من خلال الدعابات الخارجة عن النص المسرحي، والتي عادة ما تحمل إسقاطات اجتماعية تهم الجمهور. كما يعتبر المهرج في الأدب الشكسبيري أداة لتوضيح بعض أركان المسرحية، فهو الوسيط بين الشخصيات وأحداث المسرحية وبين الجمهور.
وفي بعض الروايات الجادة كمسرحية “هاملت” أو “ماكبث” التي تحوي فصولها مشاهد عنف ودموية، يكون المهرج وسيلة للتخفيف من وطأة ذلك العنف، أما في الروايات الكوميدية، فإن المهرج عادة ما يكون صاحب الرؤية والمفسر للأحداث وللشخصيات.
السياسة كذلك تحوي من المهرجين ما قد يفوق عدد مهرجي الأدب الشكسبيري! ففي عام 1999، وضع أحد الكوميديين اسمه في لائحة المرشحين لرئاسة قصر الإليزيه الفرنسي، واعتمد شعاراً في حملته الانتخابية يقول: “إذا ما أردت مهرجاً في قصر الإليزيه، فاحرص على أن تصوت لمهرج حقيقي”، بالإشارة طبعاً إلى نفسه كونه كوميدياناً محترفاً!
مهرجو الانتخابات الكويتية تضاعف عددهم مؤخراً بشكل يهدد بأن يصبح سلوكهم ظاهرة انتخابية مستقبلاً، وهؤلاء بالطبع ينتمون إلى أكثر من مدرسة، فهنالك المهرج غير المدعوم الذي يستغل فترة الانتخابات لتمرير مواهبه الكوميدية وترويجها بين الجماهير، وهنالك المهرج المدعوم بمقومات مالية هائلة، وبأهداف سياسية مبطنة! وهنالك المهرج المبتز الذي يسخر مواهبه وسخريته اللاذعة ليبتز مسؤولين أو متنفذين أو إعلاماً في السياسة.
وأياً كانت المدارس، فإن الخلاصة تكمن في ما يشكله مثل هذا النهج من خطورة ليس على مرشحين ولا مسؤولين ولا وزراء، وإنما على وعي شرائح كبيرة من الشباب والصغار الذين تداخلت لديهم مفاهيم المواطنة والمسؤولية والحقوق والواجبات، بأخرى هزلية وتجريحية، بل وخارجة أحياناً عن الذوق العام.
المهرج في الأدب المسرحي يؤدي دوراً مهماً وحيوياً كما ذكرنا في البداية. فما هو الدور الذي يؤديه مهرج السياسة؟!
حتى الآن، لم نسمع من أي من مهرجي الانتخابات برنامجاً انتخابياً أو حتى أهدافاً سياسية بعيدة أو قريبة المدى، ولا دوراً حقيقياً بخلاف تشويه صورة الانتخابات ومغزاها!
قد لا يكون هناك قانون يحظر أو يعاقب المهرجين، لكن هناك عرفاً هو أقوى من القانون بأن الديمقراطية التي وضعها رجالات الكويت، وأطلقها الراحل المغفور له الشيخ عبدالله السالم هي التي أهلت الكويت لتحتل مكانتها الرائدة بين أمم العالم المتحضر، وهي التي تشفع لهم طروحاتهم الهزلية، وتقيهم محاسبة القانون، عملاً بمبدأ حرية الرأي والكلمة التي كفلها دستور الكويت!
لكن لتكن للمواطنين كلمتهم في الدفاع والذود عن إرثهم الديمقراطي، وكف أيادي وألسن العبث عن التجريح به وتشويهه!
فمقاطعة هؤلاء المهرجين إعلامياً وشعبياً هي مسؤولية بالدرجة الأولى تقع على الجميع قبل أن تكون مسؤولية القانون، فمن أراد أن يروح عن نفسه ويسليها، عليه أن يلجأ إلى أي من القنوات الكوميدية، أما من يريد إصلاح البلد وبناء مؤسساته فمكانه قاعة عبدالله السالم، ولجان التصويت!
