المكر في السياسة مباح

المكر في السياسة مباح
في بداية الثمانينيات، كنت طالبة في جامعة لندن في العاصمة البريطانية، وكانت فورة الأحداث في المنطقة العربية آنذاك تؤجج الحماس في قلوب الطلبة بصورة أشبه بحماس شباب الستينيات، وهي الفترة التي شهدت أكبر قدر من الحماس والمساهمة الطلابية في مجريات الأحداث السياسية في العالم! يومها قام اتحاد الطلبة العرب في الجامعة بدعوة مجموعة من أساتذة جامعة “بيرزيت” بالإضافة إلى شاهدي عيان على مجزرة صبرا وشاتيلا! وأثناء حوار جانبي لأولئك الأساتذة مع الطلبة، استفسر أحدهم عن لهجتي وجنسيتي، وحين علم أنني من الكويت، قال مندهشاً: وهل يعرفون في الكويت جامعة “بيرزيت”؟!
يومها أصابني ضيق من جهل هؤلاء الذين يتحدثون عن الوعي العربي والقضايا العربية، والهموم العربية المشتركة، وجهلهم بدور دول الخليج المتضامن دوماً والمتحمس دائماً لقضايا العرب أياً كان موقعها!
اليوم ونحن نشاهد “الحماس” الشعبي العربي لنصرة ومساندة طاغية مثل صدام حسين، والاتهام المستمر لدول الخليج، شعوباً وأنظمة، بما حل بالعراق وشعبه وأرضه! أتذكر ذلك الأستاذ الجامعي، وأتساءل عن مدى نجاحنا كدول خليجية في تقديم أنفسنا للعالم العربي، وإبراز دورنا في الهموم السياسية العربية! لأجد أننا قد أخفقنا في ذلك، بدليل أننا لم نكن سوى مجموعة من المصطافين المرفهين، والسياح المترفين، الذين يملكون فائضاً مالياً يبعثرونه فوق طاولات القمار الخضراء، أو في علب الليل، أو في الأسواق والمجمعات التجارية!
نحن بكل تأكيد لا نسوق الأعذار هنا لذلك الأستاذ، ولا نبرر له جهله! لكننا نعترف بقصور في أسلوب وطبيعة واستراتيجية سياستنا الخارجية، خاصة على مستوى العالم العربي! والتي بلا شك تتطلب إعادة نظر ومراجعة شاملة خاصة مع ما تطرحه التطورات الأخيرة في المنطقة من تغيير جذري في المزاج والواقع السياسي العربي.
لقد أبرز خطاب صدام حسين الأخير درجة الإفلاس التي وصل إليها نظام بغداد، والتي جعلته يهذي بمطالب وشروط مستحيلة، وبأحلام ووعود فارغة جوفاء! إلا أنه وعلى الرغم من ذلك، لا يزال قادراً على إثارة الشارع العربي، وإشعال حماسه لأسباب لا تمت بصلة إلى مصداقية أو موضوعية فيما يطرح، وإنما بسبب استراتيجية النظام العراقي الثابتة والرامية دوماً إلى كسب تعاطف الشارع والمواطن العربي! والذي كان دائماً هدفاً رئيسياً للنظام العراقي، ولعلنا جميعاً نتذكر ذلك الحماس العربي الذي أشعله صدام حسين في نهاية حربه مع إيران، حين أعلن عن عزمه تدمير نصف إسرائيل!
ولا نقول هنا أن وعود صدام حسين التي طالما أغدقها على الشارع العربي هي وعود صادقة، ولكننا نقول إنه بالتأكيد قد كان يملك فلسفة واستراتيجية ماكرة بنى عليها سياسته الخارجية، وإنه الآن يحصد ثمار تلك السياسة والتي استقطب عن طريقها الشارع العربي سواء ثقافياً من خلال مهرجانات كمهرجان المربد مثلاً، أو سياسياً من خلال تهديده الزائف لإسرائيل، وتبنيه لقيادات سياسية، كانت تبحث عن ملاذ لها.
إذا كان المكر في السياسة مباحاً، فإن الدهاء يعتبر في السياسة سلاحاً، بل إن الدبلوماسية أساساً ما هي سوى أسلوب مهذب وراقٍ في النفاق والرياء!
وعلينا لكي نجابه أكاذيب وألاعيب نظام بغداد أن نتقن تلك “الفنون” وأن ننتشر في وعي الناس، لكي نكسب قلوبهم، علينا ألا نتوقف عن تكرار أن الرصاصة الأولى من مشروع الثورة الفلسطينية قد انطلقت من شوارع وأحياء النقرة في الكويت، وأننا قد نكون الدولة الوحيدة التي طالما أصرت على البقاء نظيفة وطاهرة من “دنس” الأجنبي، فرفضت حتى تعيين سفير أمريكي قد سبق أن شغل منصب السفير في تل أبيب! وأن ولي العهد الكويتي قد أنقذ قائد الثورة الفلسطينية من مذابح أيلول الأسود في الأردن، وأن الكويت قد شيدت جامعة في صنعاء قبل أن تشيد جامعة في الكويت نفسها، وأن للكويت صندوقاً أبصر النور مع فجر الاستقلال في العام 1961، ويساهم في التنمية الاقتصادية العربية، ويرعى مشاريع عديدة على امتداد الخارطة العربية!
كثيرة هي براهين ولائنا للعروبة، ومساهماتنا الإنسانية والسياسية! نحن فقط بحاجة لسياسة خارجية تزرعنا في وعي وإدراك المواطن العربي، وتكون بمثابة درع صلبة تحمينا من افتراءات وأكاذيب دكتاتور مفلس، ومن تشنجات وانفعالات الإعلام ذي الرأي المعاكس.
