ملفات ساخنة

المقاومة في غزة.. هي الناطق الرسمي

المقاومة في غزة.. هي الناطق الرسمي

أكد وزير دفاع الكيان الصهيوني يواف غالانت أن الجيش “يحارب ضد الشر، ويجب علينا أن ننتصر”، مشدداً على أن الحرب ستكون طويلة، وأنهم يدفعون أثماناً صعبة في مقابل تحقيق أهدافهم.
هكذا إذاً يرى الكيان الصهيوني حربه ودوافعه المستقبلية من وراء هذه الحرب، بينما في المقابل يخرج علينا بعض المثقفين العرب في حفلة تنظير حول استحقاقات عملية طوفان الأقصى، وخطورة حالة عدم التكافؤ بين الطرفين فيها، واحتمال تمدّدها الإقليمي، الذي قد يُنذر بتحالفات ربما تُشكّل خطراً على دول المنطقة، مع التحذير من وقت لآخر من افتقاد “حماس” لحسابات دقيقة قائمة على علم ومعلومات وإمكانيات عسكرية واستخباراتية ومادية متطوّرة.
لم تكن حرب الشعب الفيتنامي ضد أمريكا آنذاك متكافئة، وبالرغم من أن الدعم السوفيتي قد انهال على الجيش الفيتنامي الشمالي، بينما دعمت الولايات المتحدة الجيش الجنوبي، فإن الفيتناميين أطلقوا على تلك الحرب، حرب المقاومة ضد أمريكا، وفي الحقبة بين نوفمبر 1955، وحتى سقوط سايغون في أبريل 1975، حارب جميع الفيتناميين على أرضهم، وداخل أنفاقهم، وفي أدغالهم، وخرجت من صفوفهم قيادات، مثل الجنرال جياب العسكري والسياسي، والذي يُعَد من أهم شخصيات حرب فيتنام، وهو صاحب خطة معركة ديان بيان فو، التي هزمت فرنسا عام 1954، ليتمكّن فيما بعد من المساهمة في هزيمة القوات الأمريكية.
لقد استخدم الفيتناميون آنذاك كل الإمكانيات المتاحة من سيارات نقل إلى دواب لإيصال المواد والأسلحة إلى المقاومة، ولم ينشغلوا حينها إلا بمسار المعركة وتحقيق أهدافهم النضالية، وبحيث استطاعوا بعد هدوء غبار الحرب أن ينظّموا صفوفهم سياسياً، لتصبح فيتنام اليوم من الدول الرائدة صناعياً واقتصادياً.
يعود المشهد الفيتنامي اليوم في غزة، فكل من يحارب فوق أرضها اليوم هو بطل، وكل من يموت فهو شهيد، وبغض النظر عن انتمائه الحزبي أو الفكري أو العقائدي، فجرائم الكيان الصهيوني وحّدت الأهداف، وهذّبت الاختلافات، ولم يعد هنالك فرق بين مقاتل من حماس أو من الجبهة الشعبية أو من حركة الجهاد أو من أي فصيل آخر، فالهدف اليوم أصبح مشتركاً لا مكان فيه إلا للمقاومة، ولا صوت فيه إلا للرصاص الخارج من يقين وضمير كل مقاوم حر.
قطعاً هنالك في الحروب متاهات، وكلما طال أمَد الحرب، زادت التكهنات والاحتمالات حول تغيّر مسارها، وتبدّل التحالفات فيها، ودخول أطراف أخرى عليها. لكننا اليوم نتعامل ومنذ أكثر من شهرين مع مشهد واحد، اختزل في تفاصيله مشاعر النصر التي افتقدناها طويلاً كشعوب عربية، بعد سلسلة من الهزائم المُحبِطة، التي جعلت النفس العربية تذبل وتنكسر وتتّشح بالخذلان جراء غياب أدنى درجات الكرامة والنخوة.
مشهد غزة اليوم لا يقبل الانقسام ولا التنظير، هو مشهد لم يأت بفعل هجوم السابع من أكتوبر، وإنما جراء سلسلة طويلة من المجازر والحروب والآلام والحصار والتنكيل والهزائم النفسية والمعنوية، هو مشهد يصعب علينا كعرب أن نستوعبه بعد أن تمكّنت منا مشاهد التخاذل وصفقات المصاهرة مع الكيان الصهيوني، التي قتلت كل بادرة أمل في النفس العربية الأبيّة، على الرغم من أننا أكثر الشعوب ترديداً لأشعار ومقولات تُحبّذ فِعْل المقاومة والنضال من «وللحرية الحمراء باب.. بكل يد مضرّجة يُدقُّ»، إلى «ما أُخِذَ بالقوة لا يُستَرَد إلا بالقوة»، وغيرها الكثير.
عبر أكثر من خمسة وسبعين عاماً جرّب الفلسطينيون كل الطرق، من الحروب العربية، إلى السلام العربي، وإلى مشاورات حل الدولتين، انتظروا طويلاً في ملاجئهم ومخيماتهم، يحتضنون آلامهم دون رجاء عربي، واليوم هم من يفرض الحلول، فبعد أن سقطت كل الاتفاقيات ومعاهدات السلام الزائف، وهدنات التطبيع الملغومة، أيقن الفلسطينيون أن المقاومة هي السلاح الوحيد، بل هي السلاح الذي كبّد الكيان الصهيوني خسائر لم تستطع جيوش العرب بحروبها الكثيرة أن تُكلّف الكيان نصفه.
لذلك يأتي تنظير بعض المثقفين العرب اليوم وتحذيرهم من نوايا «حماس» خارج المشهد تماماً، المشهد الذي تُحرّكه المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها وكل انتماءاتها، هذه هي الحقيقة الوحيدة اليوم على الأرض، فالمقاومة هي الناطق الرسمي، وهي من يملك القرار السياسي والعسكري، على الأقل في المرحلة المفصلية الراهنة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى