الأرشيف

المعلم أولاً.. المعلم آخراً!!

[جريدة الطليعة 3/12/1997]

نظمت ثانوية جمانة بنت أبي طالب حلقة نقاشية ضمن المنتدى التربوي الثالث كان موضوعها “الدروس الخصوصية.. ضرورة أم ترف” حضرها جمع من التربويين وذوي العلاقة من مدرسين وأولياء أمور وطلبة.
لا شك أن ثانوية جمانة، قد أثارت مشكورة، قضية كانت دائماً بانتظار مبادرة شجاعة كهذه، خاصة من مؤسسة تعليمية، لفتح ملفها، والوقوف على أسباب انتشارها المخيف بين فئات كثيرة ومن جميع المراحل التعليمية.
من ضمن الآراء التي تناولها الحضور في الندوة، ما يتعلق بمطالبة البعض بضرورة الحد من هذه الظاهرة، وذلك بفرض عقوبات رادعة على من يتعامل بها، بينما دعا البعض الآخر إلى الأخذ بالدروس الخصوصية مع فرض ضوابط وحدود. أما رأي الطلبة فقد تركز في كل جوانبه على دور المدرس في تفشي هذه الظاهرة.
وقضية الدروس الخصوصية، هي بلا شك قضية حساسة ومعقدة تختلط فيها – وفي أحيان كثيرة – الأسباب بالنتائج، مما يضاعف من تعقيدها وبصورة جعلت كل المساهمات والمحاولات السابقة للحد منها تأتي ضعيفة ومحدودة. وإن كان ذلك لا يمس الاتفاق الشامل على الجانب الأخلاقي البحت منها والذي يرى فيها مقايضة غير مشروعة للعمل وللتعليم، في مقابل مبالغ محددة من المال، وإن كان ذلك “إجماع” قد استطاع المتعاملون بالدروس الخصوصية التحايل عليه والتلاعب بشروطه ومقوماته.
وكما نشهد جميعاً، بما نعيشه وندركه من تبعات خطيرة لاستمرار واستفحال ظاهرة سلبية كهذه، وعلى الرغم من تشعب قضية الدروس الخصوصية، إلا أننا بلا شك نستطيع أن نتوقف عند بعض رموزها ودلالاتها الأكثر بروزاً، والأخطر في آن واحد. ويأتي على رأس هذه الرموز ما أثاره الطلبة في منتدى “ثانوية جمانة” من دور المدرس في الإبقاء على هذه الظاهرة!! وتلك ملاحظة يتفق الكثيرون مع الطلبة حولها. فهنالك ولا شك تدن واضح ومؤسف في مستوى المعلم بشكل عام، وقد يكون ذلك لأسباب متجذرة في النظام التعليمي وأسسه وشروطه ومعاييره، إلا أننا نبقى في النهاية أمام مشكلة وأزمة لن تساهم في ظواهر سلبية كالدروس الخصوصية وحسب، وإنما سيكون لها مردود سيء في بناء الفرد، وفي تكوينه الاجتماعي، وثقافته بكل جوانبها. خاصة وإننا حين نتحدث عن تدني مستوى المدرس، فإننا هنا لا نتحدث عن التدني المهني والعملي، وإنما أيضاً عن تدن وتدهور في شخصية المعلم، وفي كونه مثالاً وقدوة قبل أن يكون ملقناً ومردداً لمنهج دراسي مكتوب ومحدد.
وإذا كان نظام التعليم بشكل عام قد أخطأ في رسم شروط ومعايير المدرس بصورة أفرزت تلك السلبيات التي نراها الآن، فإن تدارك ذلك الخطأ لا يزال أمراً في يد المسؤولين من الحريصين على الارتقاء بالتعليم في هذا الوطن، وذلك من خلال إعادة النظر في مسألة التقييم والتي هي بلا شك جزء مهم وجوهري في بناء أي نظام تعليمي كان مهنياً أو إدارياً. فنحن وكما يعلم الكثير منا سواء كانوا من الجسم التعليمي والتربوي، أم من خارجه، لا نملك جهازاً فعالاً وفاعلاً للقيام بمتابعة وتقييم المعلم، ولا نعمل بشروط صارمة وجادة تشكل معياراً أساسياً ومعتمداً في عملية التقييم، وكما هو معمول به في دول ومجتمعات كثيرة، فالتعليم كونه مهنة يشترط فيها التطور في النهج، والتطوير في الأداء، حتى لا يأكله الجمود، وتأتي عليه الرتابة والروتين. فكم معلم لدينا يا ترى حاول أن يخرج أو أن يتجاوز حدود المنهج مهما طال تكراره له؟! وكم لجنة تقييم وضعت ضمن معاييرها التقييمية شروطاً كهذه؟!
سيبقى المعلم ولا شك أساساً في المعادلة التعليمية التي ومهما تعددت أطرافها، فإن ركيزتها الأساسية هي المعلم أولاً. ولهذا سيبقى المعلم دائماً له حصة الأسد في أي إخفاق تعاني منه العملية التعليمية بشكل عام، تكون معه الأطراف الأخرى كالمنهج، وأهداف التعليم، ووسائله، أطرافاً ذات مساهمة ثانوية في أي من سلبيات العمل والأداء..
فالمعلم يستطيع أن يبعث الحياة في منهج متآكل ورتيب. والمعلم يستطيع أن يخلق من وسائل تعليمية عقيمة، وسائل جديدة ومثمرة. والمعلم أيضاً يستطيع أن يفرض أهدافاً وإن لم تكن مكتوبة ومدونة. غير أن المعلم أيضاً يستطيع أن يشترط سلوكاً وأن يشرع في قانونية ومشروعية (أهدافاً) كالدروس الخصوصية، فإذا كان الجزء الأول من برنامج التوعية الذي تفضلت به إدارة “ثانوية جمانة بنت أبي طالب” قد تطرق لظاهرة الدروس الخصوصية. فإننا بانتظار مساهمة أخرى من “ثانوية جمانة” بالجزء الثاني، وبالتحديد جزء يكون عنوانه المعلم أولاً.. المعلم آخراً!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى