
لا شك أن كل مواطن يتمنى لو أن قضية ضابط الداخلية المتهم بالمخدرات تتصدر كافة القضايا والمشاكل في الفترة الحالية، ليس لأنها تتعلق بمسألة أضحت مصدر قلق وخوف لكل أسرة ولكل أب وأم، وإنما لأنها تقود في النهاية إلى أم الأزمات في هذا الوطن!! فتداعيات هذه الحادثة، وكما أوردتها الصحف، تؤكد أن أولى معوقات الإصلاح والبناء مصدرها القائمون – أو هكذا يفترض أن يكونوا – على رعاية قنوات وسبل البناء والنظام. فالنواب الذين يقفون وراء الأسباب في الإفراج عن الضابط متهم المخدرات لا شك أنهم يتحملون خطيئة مضاعفة، وضررهم على المجتمع وبنيته القانونية هو ضرر يفوق ضرر المتهمين بمخالفة القانون وكسره!!
لقد سئمنا جميعاً من تلك الاختراقات المتكررة لكل القوانين المكتوبة والمدونة!! فالحوادث والأموات بسبب اختراق قوانين المرور أصبحت حديث كل يوم ومأساة كل عائلة!! والانهيار الأمني بسبب اختراق قوانين الإقامة والعمل أصبح وصمة عار ومؤشراً خطراً ضجت منه شوارعنا وأحياؤنا!! وقوانين التعليم مخترقة، والصحة كذلك، ولوائح تنظيم الإسكان والبناء، وقوانين العمل والتوظيف، كلها تتعرض يومياً وباستمرار للانهيار والتجاوز من قبل الأقوياء وأصحاب النفوذ في إدارات الدولة وعلى اختلافها.
إن الدولة، وفي أساس تكوينها، هي مجموعة القوانين والتشريعات التي تنظم وتنسق الحياة ضمن إطارها وبين مواطنيها!! فالدولة ليست مباني ومجمعات سكنية، وأسواقاً وشوارع فقط!! بل هي مؤسسة تنتهج سبلاً وتتبنى طرقاً مدروسة لإدارة الحياة بين الأفراد ولتصريف شؤونهم الحياتية اليومية!!
ونحن في هذا الوطن لا شك أننا قد أرسينا أولى لبنات الدولة الحديثة مع إعلان دستورنا الذي خرج إلى النور معلناً بدء الممارسة البرلمانية، كإحدى ركائز الديمقراطية!! وهو إنجاز لا شك أنه جاء بفضل جهود الكثير من أبناء هذا الوطن، ممن أدركوا أهمية مشروع كهذا لمستقبل الوطن بمواطنيه!! ولعله، ومن القناعة ذاتها، هب الجميع مدافعين عن بُنية الدولة، وأساسها إبان غزو النظام العراقي، فجاء “اجتماع جدة” مؤكداً على تمسك المواطن بتلك المكتسبات، ويقينه بأن استقراره وأمنه وأمانه لا تضمنها الآلة العسكرية وحدها، وإنما الحكمة السياسية كذلك!!
واليوم يأتي تفاعل المواطن مع قضية الضابط والتهمة الموجهة إليه، تفاعلاً منطقياً يمليه عليه يقينه بأن القفز فوق القوانين وتجاهلها يعنيان تهاوناً وتعدياً على مشوار المواطن الطويل في سبيل بناء دولة الديمقراطية والمؤسسات.. قضية الإفراج عن ضابط المخدرات، والجهود التي بذلها البعض لتحقيق ذلك الإفراج، ليست هي بالقضية الأولى التي يجري فيها تهميش متعمد لذلك الإنجاز والمشوار الوطني الطويل في سبيل بناء الدولة!! وهي أيضاً لن تكون الأخيرة في محاولات البعض كسر البُنية القانونية وتجاوز مؤسسة العدالة ممثلة بقوانينها وقواعدها!! وكلها أمور تدفع بهذه القضية إلى الصدارة، خاصة بعد أن سئم المواطن ذلك التكرار المتعمد بالإساءة والاستهتار ببنية الوطن والدولة!! وبعد أن أصبح تجاوز القانون سيد الموقف، وهو الأداة الرخيصة التي يتسلح بها البعض للتاكيد على درجة نفوذهم وامتدادهم!!
قضية الضابط وتداعياتها، ليست قضية أمنية فقط ولا هي قضية جنائية وحسب، ولا هي من اختصاص وزارة الداخلية وحدها.. بل هي قضية كل مواطن، وكل بيت، هي قضية وجود وكيان دولة ومجتمع!! وكم نودُّ جميعاً لو أن القضية تخرج عن بُعدها الأمني والجنائي البحت، لتأخذ بعداً أكبر وأشمل، ولتصبح قضية نبدأ منها مشواراً جديداً في طريق بناء الدولة الطويل، يكون مكملاً لمشوارنا الأول، ونبدأ على ضوئه بناء مؤسسات الدولة بفاعلية وأداء حقيقيين يمكنانها من إرساء وإدارة ومتابعة قواعد العلاقات والمعاملات بين الجماعات والمصالح داخل البناء الشرعي للدولة!!
