
سمو ولي العهد،
تحية طيبة وبعد،
يجمعنا القلم من جديد في لقاء نلملم خلاله بعضاً من شجون الوطن وهمومه!! ومع المشهد الاقتصادي نراجع معاً ذيول وأسباب تراجعنا المخيف في درب الاقتصاد والمال!
قد لا نستطيع أن نتحدث في الاقتصاد دون أن نعود، ما استطعنا، بالتاريخ إلى بدايات نشأة هذه الأرض الطيبة، والتي استطاعت أن تخرج بكيان رسخته كتب التاريخ، وأشار إليه الرحالة الذين جابوا المنطقة، وهي كلها مراجع تشير وتؤكد لنا ولغيرنا، بأن رأس المال الحقيقي للكويت كان دوماً في عقليتها التجارية، وحنكة أهلها الاقتصادية، التي استطاعت أن تؤسس مجتمعاً اقتصادياً ناجحاً على الرغم من شُح الحياة وقسوتها آنذاك! بل كانت الكويت بمرونتها وانفتاحها الاقتصادي قبلة لأفواج الهاربين من قحط نجد، وقسوة ظروفها ومصادرها الاقتصادية والمعيشية!
سمو ولي العهد..
إن الترويض الكويتي السابق لشُح الأرض، وندرة المصادر، تجعلنا مدركين أننا في أزمتنا الاقتصادية الراهنة. لا نعاني من تراجع في موارد الدخل، بقدر ما نعاني من تراجع في تلك الحنكة، وبعد النظر الاقتصادي اللذين طالما تميزنا بهما كمجتمع اقتصادي متحرك وديناميكي! ويؤيدنا في ذلك خبراء اقتصاديون لا يرون أن المشكلة الاقتصادية مشكلة موارد على الإطلاق، بل على العكس، فلا تزال الكويت تتمتع بمقومات اقتصادية مالية جيدة، حيث يزيد دخلها من النفط عن عشرة بلايين دولار أمريكي بقليل، بالإضافة إلى دخل آخر من الاستثمارات، كذلك تتمتع الكويت ببُنية تحتية جاهزة تقريباً، بالإضافة إلى تعداد سكاني متواضع يصل إلى 700 ألف نسمة، وتشكل قوة العمل فيها قرابة الـ 180 ألف عامل وموظف!
سمو ولي العهد..
لا شك أن الخروج من المأزق الاقتصادي الراهن يجب ألا يكون أمراً مستحيلاً في ضوء معطيات اقتصادية مريحة كالتي لا تزال تتمتع بها الكويت، إلا أن أياً من وزراء المالية الذين تعاقبوا على الوزارة منذ فجر الانهيار الاقتصادي الأول في عام 1976، وما أعقبه من فوضى في الأداء الاقتصادي بشكل عام، مما أدى وبصورة مباشرة إلى الانهيار الكبير في عام 1982.. نقول أن أياً منهم لم يعمل على استثمار الموجودات الاقتصادية سواء أكانت مالية أم بشرية، للشروع في إعادة بناء الاقتصاد، ولم يحاول أي منهم، ومن خلال موقعه كوزير مالية أن يبادر بمشروع قابل للتنفيذ ينتشل البلاد من مخاطر الانحدار المستمر.
سمو ولي العهد،
لا يخفى على أحد أهمية عامل الزمن في حساب الربح، والخسارة لأي مشروع اقتصادي، بل أن المشاريع والخطط الاقتصادية تحمل تاريخ صلاحية، لا يختلف عن تاريخ صلاحية المواد الغذائية، بمعنى أن أي تأخير في تنفيذها أو استخدامها يفقدها روحها وجدواها، ويكفي أن نذكر هنا مشروع “المنطقة الحرة” الذي طُرح في عام 1963، ولم يلاق نصيبه من التنفيذ، فبقي مشروعاً اقتصادياً معلقاً في أجندات اجتماعات الفعاليات الاقتصادية يثار كلما دار الحديث حول تنشيط الاقتصاد، وقد كان آخرها في توصيات مؤتمر رجال الأعمال الأول الذي عقد قبل الصيف الماضي.
سمو ولي العهد،
تعتبر القوانين رافداً أساسياً في أي عملية تنموية اقتصادية، والالتزام بتطبيق القوانين في عالم الاقتصاد والمال يعطي إحساساً بالأمن غالباً ما يُشجع رؤوس الأموال، ويدفع إلى دوران عجلة الاقتصاد، وذلك يا سمو ولي العهد مشكلة المشاكل في الكويت، فالقوانين الاقتصادية إما أن تُخترق أو تبقى جامدة، وبمعزل عن آلية التطبيق.
ويكفي أن نذكر هنا أن عدم الالتزام بالقوانين كان سبباً رئيسياً في كارثة المناخ!، حيث كان قانون إشهار الشركات يُخترق في دهاليز وزارة العدل، حيث يتم تسجيل الشركات وتداولها حتى قبل أن تستوفي الشروط، التي تنص عليها قوانين إنشاء الشركات، وحين وقعت كارثة المناخ، خرجت الحكومة بسلسلة من القوانين لمعالجة الوضع المالي آنذاك غير أنها بقيت دون جدية وحزم في التطبيق والتنفيذ، مما ضاعف من تبعات الأزمة وذيولها بالصورة التي دفعت إلى استمرارها مخيمة على مناخنا الاقتصادي على الرغم من مرور ما يقارب الستة عشر عاماً. كما تعاني أيضاً خطط الدولة الخمسية من المشكلة نفسها، حيث تتضمن كلها أرقاماً وأهدافاً لا تقبل التنفيذ إما لعدم صلاحيتها وملاءمتها، وإما لعدم توفير آليات تنفيذها!! وهو ما عبّر عنه الخبير الاقتصادي جاسم السعدون، والذي أعطى مثالاً على ذلك من الخطة الخمسية للأعوام 1985 – 1990، والتي تبنت هدف موازنة السكان، فبعد انتهاء فترتها كانت تركيبة السكان أسوأ مما كانت عليه عند بداية الخطة.
سمو ولي العهد،
تقول الإحصائيات أن الدولة تصرف ما يقارب ٪80 من دخل النفط على الرواتب والأجور!! وهو بالتأكيد يشكل عبئاً كبيراً وقاسياً!. لذا فإن الحكومة لا تتوانى عن تذكير القطاع الخاص بدوره في التوظيف والتنمية بشكل عام، غير أنها وللأسف الشديد لا تمنح لذلك القطاع فرصاً استثمارية حقيقية بصورة تؤدي إلى مساهمة فعلية، بدليل أن هنالك الكثير من مشاريع التخصيص، والتي تبدي الحكومة تردداً وتحفظاً على منحها للقطاع الخاص، كمشروع “كاسكو” ومشروع شركة النقل العام الكويتية على سبيل المثال.
سمو ولي العهد،
إن إنعاش الاقتصاد وتحريك عجلة المال، سيبقيان رهن المبادرة والعجالة الحكومية لخلق مناخ استثماري جيد، ولترشيد استخدام الخدمات والمرافق من خلال فرض ضرائب ورسوم، وإعادة نظر في القوانين والتشريعات الموجودة، مع مراعاة العدالة والدقة في تطبيقها، بالإضافة إلى خلق مناخ استثماري مشجع من خلال تسهيل إجراءات دخول الأموال الأجنبية المستثمرة، وغير ذلك من مبادرات تعيد للكويت حنكتها الاقتصادية، وتُتوّجها من جديد كمنطقة جذب لرؤوس الأموال، وللناشطين اقتصادياً بدلاً من أن تبقى على حالها الآن منطقة طرد تُهبّط عزيمة المستثمر المحلي والأجنبي في آن واحد!
سمو ولي العهد،
إن المأزق الاقتصادي الراهن هو بلا شك أكبر بكثير، وأكثر تعقيداً من مجرد عجز ميزانية يطرح تساؤله اليتيم حول الاقتراض، أم السحب من الاحتياطي! وإذا كنا في هذه العجالة قد استعرضنا بعضاً من رؤوس أقلام همنا الاقتصادي، فإن تفاصيل ذلك الهم يطرحها الركود المخيم على أسواقنا، والتدني المخيف في مكانتنا ومنزلتنا الاقتصادية عالمياً وإقليمياً!
سمو ولي العهد،
تلك إذاً كانت رؤوس أقلام أرجو أن أكون قد وُفقت في ترتيبها وحصرها، وكلي أمل بأن أصل بها لمن يملك قرار المبادرة بحلها.
وختاماً لا يسعني يا سمو ولي العهد سوى أن أشكر لسموكم حسن إصغائكم، واستودعكم الله على أمل لقاء جديد، مع هم آخر جديد، ومع المشهد الرابع: الأمن.
