
قضيتان أثارتهما الكورونا وسلّطت الضوء عليهما بشكل غير مسبوق، الأولى تتعلق بمستقبل التعليم، أما الثانية فكان محورها العدد المناسب للوافدين في الكويت، على اعتبار أن الجملة صحيحة هنا، أي أن هنالك بالفعل عدداً مناسباً.
الكويت دولة صغيرة سكانياً، ومع ظهور النفط، واتساع رقعة مؤسسات الدولة وتشعّب شؤونها، تضاعفت الحاجة للاستعانة باليد العاملة لإدارة شؤون الدولة، وبالفعل فقد ساهم مئات الآلاف من الإخوة الوافدين، عرباً كانوا أم غيرهم، في إثراء مسيرة الكويت العلمية والصحية والفنية وفي سائر المجالات الأخرى.
اتسعت رقعة الكويت سكانياً ووظيفياً، وتضاعف فيها عدد الوافدين بسبب الحاجة لهم، والتي خلقها مثل ذلك التوسع مع ندرة ملموسة في العنصر الكويتي، لكن في المقابل بدأت معها الخطط والخطوات العشوائية التي لا تستند إلى الدراسات الكافية ولا الرؤى الحصيفة، وذلك بهدف احتواء ما أصبح يُطلق عليه اليوم تعديل التركيبة السكانية، والتي يؤيّدها ومن دون تصوّر للبديل ٪92 من الكويتيين بحسب العينات العشوائية، لكنه يبقى تأييداً تدفعه وتؤيّده ردود أفعال على الفوضى التي حدثت إبان الكورونا.
جاءت خطة التكويت في السبعينيات كأوّل الحلول، بتكويت الوظائف، وكانت البداية من قطاع التعليم، حيث أدى التسرّع والعجلة هنا، إلى تشجيع خريجي المرحلة الثانوية للالتحاق بمعاهد المعلمين آنذاك وتأهيلهم بعد عامين فقط ليكونوا في صدارة الهيئة التعليمية، أما الكارثة هنا فقد كانت في تعيينهم للتدريس في المراحل الابتدائية، على الرغم من انعدام الخبرة والتأهيل الضروريين لمهنة التعليم في هذه المراحل المبكّرة، والتي عادة ما تكون شروط العمل فيها أكثر صرامة ومتطلبات من تعليم المراحل العمرية المتقدّمة، وبالفعل فقد كانت خطة الإحلال أو التكويت في الجهاز التعليمي كارثية بكل المقاييس، نلمس آثارها اليوم في التدنّي المخيف في مستويات التعليم ومُخرجاته بشكل عام.
اليوم يعود مثل هذا التخبّط في التعامل مع التركيبة السكانية من خلال قوائم لآلاف الوافدين الذين قرّروا مغادرة الكويت لأسباب ترتبط وبشكل مباشر بالتخبّط الحكومي الواضح في معالجة مشاكلها وبشكل عام وليس في مسألة الوافدين فقط.
بحسب استطلاع نشرتة شبكة ألمانية، فإن ثلث الوافدين في الكويت قد غيّروا خططهم المستقبلية بسبب الكورونا، وأن واحداً من كل 3 يخطط حالياً لمغادرة البلاد إلى وطنهم أو البحث عن بلد آخر للاستقرار فيه، وإن صَدَقت تلك الأرقام فنحن بلا شك مُقبِلون على أزمة في سوق العمل، ستكون لها انعكاسات خطيرة، وستكون لها أبعاد كارثية على عجلة الاقتصاد وجودة العمل في الدولة بشكل عام، وبالطبع ستسعى الحكومة إلى حلولها الترقيعية المعتادة لتصحيح ذلك، وكما حدث مع حالة فرض الكوتا الكويتية على القطاع الخاص وما نَتَجَ عن ذلك من تزييف واستنزاف سيئ لتلك الخطّة وذلك من خلال التلاعب بمفهوم دعم العمالة، والذي كان يُفتَرَض أن يكون بمنزلة تشجيع من الدولة للقطاع الخاص على توظيفه للعمالة الوطنية، فإذا به يتحوُل إلى ما يشبه عمليات التحايل على النظام، والتنفيع السيئ الذي أحدَثَ خللاً في الميزانية وفي قِيَم العمل بشكل عام.
الأبواق التي أطلَقَت تحذيراتها من العمالة الوافدة، لم توفّر حلاً ولا بديلاً واحداً، بخلاف الصراخ والتحذير الأجوف، بينما في المُقابل يوفّر المُتَخَصّصون الحلول العملية والذكية التي تهدف إلى استقطاب العمالة الوافدة الماهرة والتي تُشكّل إضافة إلى المجتمع، خاصة أن الكويت لا تزال في حاجة ماسّة لها، مع تقنين الاستعانة بالعمالة الهامشية التي هي وبكل أسف رأسمال تُجّار الأنفار والإقامات.
الحكومة اليوم مُطالبَة وبشكل مباشر وفوري بإعادة النظر في الكثير من القوانين التي أجبَرَت نسبة كبيرة من الوافدين على المغادرة، كما أن عليها أن تخلق بيئة جديدة محفّزة ومُستَقطِبة لا طاردة لعقول ومهارات وكفاءات لن تستغني عنها الكويت أبداً، فالعالم اليوم وفقاً لمفهوم القرية الواحدة أصبح مُتّصلاً ومتلاصقاً، خاصة في ما يتعلّق باشتراطات ومتطلبات السوق والعمل، وبشكل انعكس على القرارات المُتعلّقة باستقطاب العمالة وبغض النظر عن منشأها.
ولو أمعنّا النظر في مشكلة التركيبة السكانية، لوجدنا أن المشكلة ليست في الوافدين، وإنما في قوانين الدولة التي تُعيق الحركة باتجاه مناخ مناسب وسليم للعمل وللمعيشة، مناخ تكون السُّلطة فيه للقانون العملي المَرِن، وليس للمزاج الوقتي أو للرغبات المرحلية العابرة.
آخرها جاء في استمرار حظر عودة الوافدين المغادرين، مع كل ما يحمله مثل هذا القرار من تعسّف ورؤية قصيرة المدى والمُدة، لذلك تمعّنوا جيداً، وستجدون أن المشكلة تكمن فينا وفي قوانيننا قبل أن تكون مشكلة وافدين.
