
لا شك أن الخطوة التي أقدم عليها وزير النفط مؤخراً هي في الاتجاه الصحيح والمبشر بقرب انفراج الأزمات الإدارية التي طالما أربكت قطاعنا النفطي وشلّته!! وهي خطوة، وإن كانت لا تزال دون حجم طموحات المواطن في نقلة نوعية لهذا القطاع إلا أنها تبقى في الإطار المطلوب الصحيح!! قد لا يكون الخلل الإداري قصراً على قطاع النفط وحسب، غير أن حساسية وأهمية هذا القطاع باعتباره مسؤولاً وراعياً إدارياً ومالياً لإدارة شؤون ثروتنا القومية الأولى، مصدر رزقنا، ومستقبل أبنائنا، تجعل منه خللاً فاضحاً وجسيماً!! والذين هم ضمن دائرة هذا القطاع لا شك يعلمون ويعانون في آن واحد من خطورة الإبقاء على التشوهات في الجسم الإداري للمؤسسة النفطية بشكل عام!!
لقد روت لنا الأيام بأحداثها المختلفة أن النفط ليس ثروة مالية تحمل رفاهاً وعيشاً رغيداً فقط، بل هي سلاح استراتيجي فتاك وقوي المدى والحد. فمنذ أن أعلن قائد البحرية البريطانية ونستون تشرشل في عام 1910 اعتماد النفط بديلاً عن الفحم كوقود للأسطول البريطاني، ومنذ أن خرجت للنور محركات الديزل والطائرات في عام 1930!! والحروب كلها “حروب نفط” حتى لقد كان “الزيت” هو الحاسم الحقيقي في الحرب العالمية الثانية، والتي سُميت عن جدارة “حرب الزيت” حيث كانت مؤشرات الغلبة والانتصار في المعارك من نصيب الأطراف التي تستطيع حجب “الزيت” عن عدوها، وإمداد طائراتها وآلياتها بالوقود والذهب الدفين المتدفق من أعماق الصحارى على وجه الخصوص.
لا شك أن هنالك تذمراً واضحاً وصريحاً من قبل المواطن للأسلوب الذي تم فيه استنزاف الثروة النفطية وعوائدها بهذا الأسلوب السيء، الذي جعلنا، حتى مع مضي ما يقارب خمسة عقود على بداية عصر الرفاه النفطي، لا نزال نخطو ببطء نحو إتمام بُنية الوطن الداخلية.. وإذا كنا في السابق نتمسك بظروف الوطن الاجتماعية والتعليمية آنذاك كعذر يحول دون استخدام وتسخير ناضج لمثل هذه الثروة، فإننا اليوم لا نستطيع أن نستخدم العذر ذاته. فالطفرة الاقتصادية المباغتة والتي نقلتنا من مجتمع شبه بدائي بسيط وصغير، إلى مجتمع يحمل كل مقومات التصنيع والتنوير الاجتماعي والفكري!! في نقلة هي أشبه ما تكون بالقفز فوراً إلى مرحلة الرجولة دون العبور بسنوات الطفولة والصبا، جعلتنا نتخبط في فعلنا وقرارنا، فإن الوقت قد حان الآن لإعادة كتابة وصياغة قرارنا وفعلنا ومشروعنا النفطي.. اليوم نحن أمام مسؤولية أكبر، وفي حضرة مجتمع أكثر نضجاً ومقدرة على إدارة ورعاية تلك الثروة!!
اليوم، وبعد أن ترسّخ دور النفط عالمياً في ظل غياب أي بدائل طاقة أخرى، وبعد أن امتدت معارك الأسعار في سوق النفط، وتضاعفت شراسة وشراهة الشركات النفطية ودولها، تتزايد حاجتنا إلى عقلية إدارية ناضجة، وإلى ضمائر وطنية مخلصة للسير بصورة سليمة وصحيحة وسط معارك الطاقة من حولنا، وفوق أرض الصراع النفطية اللينة واللزجة بصورة تهدد السائر فوقها بالسقوط والتهاوي.
المطلوب اليوم من وزير النفط مزيد من القرارات الجريئة، من التي تزيل الغبار عن مشاريع كثيرة طالما عرقلتها وكبلتها فوضى الإدارة ومعاركها الداخلية.. المطلوب من الوزير إعادة تأهيل القطاع النفطي، وليس إعادة هيكلة وحسب.. وذلك لترسيخ دور أكبر وأقوى للقطاع النفطي ومؤسساته في إدارة مشاريع وخطط التنمية في هذا الوطن!! فنحن جميعاً نريد استثماراً ناضجاً لهذه الثروة يصب في برامج التنمية، لا استثماراً يخدم ويُلبي احتياجات وبرامج وطموحات الأسواق الخارجية فقط!
