شئون عربية

المشروع الليبي الوحدوي

المشروع الليبي الوحدوي

حق المعارضة أولاً.. قبل الموافقة
إن أي متتبع لإذاعة صوت الجماهير.. صوت اللجان الشعبية.. عبر الإذاعة الليبية.. لن يتمالك كبت مشاعر السخرية.. المصحوبة بمشاعر أخرى ملأى بالمرارة والحسرة على واقعنا كأمة عربية.. استسلمت ومنذ فجر تحررها من الاستعمار العربي.. لكل أنواع العنف والكبت.. والحجر على الحريات والحقوق بكافة أشكالها.. بما فيها حق البقاء.. فالإذاعة الليبية تنقل المستمع العربي.. إلى حقبة الخمسينيات والستينيات.. حيث كانت الدول العربية الوليدة آنذاك.. والخارجة لتوها من آتون الاستعمار والسيطرة الغربية.. كانت تصب جام غضبها على الإمبريالية الغربية.. والعناصر الأجنبية المتواطئة لعرقلة أي مشروع عربي يرمي إلى توحيد الوطن الأكبر.
الإذاعة الليبية الرسمية تتحدث الآن عن المجتمع المثالي من خلال تقسيم ليبيا إلى (كومونات).. على غرار النظام السويسري.. وتؤكد من خلال هذا التقسيم على تسليم الجماهير سلطة الإدارة في (الكومون) وتشيد بما يرمي إليه (المفكر) القائد الليبي من خطة تسلم السلطة للجماهير.
وبينما تتحدث الإذاعة الليبية نقلاً عن (الكتاب الأخضر) عن الحرية التي هي قدر الجماهير.. تحدثني إحداهن عن تجربتها أثناء زيارتها لليبيا وعن محاولات التهريب التي يقوم بها البعض للجرائد والمجلات العالمية محاولة منهم فتح نافذة ولو صغيرة للشعب الليبي للاطلاع على ما يحدث في العالم من حوله.. فهي تتحدث عن ذلك القمقم الحديدي الذي يقبع فيه المواطن الليبي.. ومن كونه محاصراً دوماً (بإنجازات) ثورة الفاتح المجيدة.
قد يكون المفهوم الليبي لحدود الحرية الفردية والتي لا تتعدى حدود (الكتاب الأخضر) وجريدة (الزحف الأخضر).. مفهوماً ممارساً في أغلب الدول العربية.. وهو مفهوم يعمد إلى احتكار حرية الفرد في إطار حدود ضيقة تصبح معها عملية التفاعل بل والاتصال مع غيره من الدول.. مسألة شبه مستحيلة.. وتصبح معها شعارات الوحدة والقومية الواحدة والانتماء العربي.. والتي لا تتوقف الإذاعة الليبية عن التأكيد عليها.. والإصرار على تطبيقها وترويجها.. تصبح تلك الشعارات مواضيع وقضايا لا تتعدى مبنى الإذاعة وهيئتها العاملة.
لقد جاء مفهوم القومية العربية.. في منتصف هذا القرن.. كمحاولة لوضع إطار للعلاقات العربية.. في مواجهة التحديات والصعوبات.. ثم جاءت الدعوة إلى وحدة عربية كتعبير عملي عن مفهوم القومية الواحدة.. وقد جاء الوجود الصهيوني في الأرض المحتلة كعامل مساعد.. ومؤكد على ضرورة تعزيز ذلك الانتماء القومي في مواجهة النفوذ الصهيوني والغربي.. وبلغ أوجه في فترة المد الثوري الذي صاحب تأميم قناة السويس في عام 56.. ثم في إعلان مشروع الوحدة المصرية السورية في عام 58.. فقد تأكدت وحدة الصف العربي في مواجهة العدوان الثلاثي.. وظهرت في أبرز معالمها من خلال التأييد العربي الرسمي والشعبي إبان العدوان في عام 56.. وأصبحت القومية العربية مرادفاً للهوية من خلال وحدة الشعبين المصري والسوري في عام 58.. واستمر ذلك المفهوم من التضامن حتى فيما بعد هزيمة 67.
لقد تميزت كل مراحل رواج وازدهار مفهوم القومية العربية.. بظاهرة الصراع في وجه العدو الواحد.. وبقدر معقول من الحرية الفردية.. والذي وإن كان قدراً بسيطاً.. إلا أنه كان معقولاً ومتماشياً مع النشأة الحديثة لأغلب الدول العربية في تلك المرحلة.
أما الآن وبعد ما يزيد عن ثلاثة عقود على تلك المرحلة من الوعي والشعور القومي.. تراجع فيها مقدار الحرية الممنوحة للفرد.. وبحيث طغى أسلوب الكبت والقمع على ذلك الكم البسيط من حرية الفرد.. وتجزأ كذلك مفهوم العدو الواحد.. فأصبح حيناً (صديقاً).. وأخرى (بلداً مجاوراً).. وبحيث اتخذ الصراع الذي ألّف بين الدول العربية.. اتخذ مفهوماً مختلفاً الآن تتعرض فكرة القومية العربية والانتماء العربي لتساؤلات أصبح المواطن العربي يطرحها باستمرار.. في محاولة منه لتفسير ظاهرة التفكك العربي.. وانتشار وسيادة الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي.
لقد سئم المواطن العربي.. من تكرار شعارات القومية العربية.. والمناداة بالوحدة العربية.. وأصبح يرى في كل ذلك استنزافاً لموارده ومقدراته ليس إلا.. خاصة وبعد أن أصبح كل شيء مؤجلاً في سبيل مباركة المشاريع القومية.. وتحقيق الوحدة المنشودة.. وبحيث طغت تلك الإعلانات الزائفة على كل البرامج التنموية والإصلاحية.. خاصة وأن أكثر الأنظمة مناداة للوحدة.. وأكثرها استهلاكاً للشعارات القومية.. هي من أكثر الأنظمة استنزافاً لشعوبها.. وإبادة لحريات أفرادها. فلقد أجّل العراق.. كما أجّلت ليبيا.. كل مشاريع التنمية من أجل التعبئة المزيفة لجماهيرها لدعم حركة القومية العربية.. ونقول مزيفة.. لأنها لا تسير في اتجاه دعم القومية.. بقدر ما هي إلهاء لشعوبها عن التجاوزات المستمرة لتلك الأنظمة فيما يخص مصالح المواطنين الحقيقية.. والتي لم ولن يخدم تأجيلها أياً من المشاريع القومية.
لقد تأجلت الديمقراطية في تلك الدول.. وانتهكت حقوق الإنسان.. وتقلص دخل الفرد.. ودخل في حروب طاحنة وصراعات جانبية.. كانت حصيلتها جيوشاً جبارة.. وترسانات أسلحة.. تزيد من ترسيخ نفوذ الأنظمة القائمة.. وقهر المواطن والحد من حريته، فدخل العراق في صراعه مع إيران.. وفي حلبة الحرب الأهلية اللبنانية.. وتوغلت ليبيا في الصراعات الأفريقية المجاورة.. مستنزفة بذلك مقدرات شعوبها.. ومدعية زيفاً بأنها جهود رامية إلى تعزيز أهداف قومية.. تلك الأهداف التي أصبحت شعاراً تنمو وتقتات عليه تلك الأنظمة.. دون أن تجني جماهيرها شيئاً.. شعاراً لإلهاء وتخدير تلك الجماهير عن مشاكلها وقضاياها الأساسية.. لا جهداً ساعياً إلى حياة أفضل لكل جماهير العرب.
إن الإنسان العربي هو هدف أي برنامج قومي أو وحدوي.. وأي مساومة أو حل أو مشروع يُستثنى منه الفرد يعتبر مشروعاً فاشلاً أو مآله الفشل.. حيث إن مصلحة الفرد هي المحرك الرئيسي لأي برنامج إصلاحي وتنموي في أي مجتمع كان، ولأن كل مشاريع الوحدة.. وشعارات القومية العربية، قد تم استثناء الفرد العربي من إنجازاتها.. لصالح الأنظمة السياسية القائمة.. فقد فشلت كل تلك المشاريع. وسقطت. وإشراك الفرد لا يكون إلا من خلال برنامج ديمقراطي يعمل على إشراك الجماهير في العمل السياسي أولاً.. فهي صاحبة الشأن أولاً وآخراً.
قد لا يعيب أحد منا قط على الإذاعة الليبية.. تفرغها التام لإعلانات الوحدة.. والقومية العربية.. فهي من المؤكد ستبقى مشاريع تغري بالتطبيق.. ولكن المشروع الليبي الساعي إلى وحدة عربية سيبقى مشروعاً فاقداً لحقيقة غائبة أو هي مغيبة إذا نحن تحدثنا بوضوح أكثر.. ألا وهي الديمقراطية.. والتي دون إعلانها والعمل بها لن يفشل المشروع الليبي الوحدوي وحسب.. بل سيفشل كل مشروع للتقدم والنهوض. فالدول العربية لن تحقق تقدماً.. ولن تطرد عدواً.. إلا من خلال الحضور الحقيقي للفرد.. ومشاركته الفعلية.. من خلال تبني الصيغة الديمقراطية التي أساسها الاعتراف بالآخر وحقه في الاختلاف والمعارضة أولاً.. قبل حقه في الهتاف والموافقة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى