المسرح.. حين يحاكي الواقع!!

المسرح.. حين يحاكي الواقع!!
منذ ما يقارب الثلاثين عاماً قدم المسرح الكويتي مسرحية “الكويت سنة 2000” وهي مسرحية هادفة تستعرض بأسلوب ساخر الحياة الكويتية في مرحلة ما بعد النفط.
وعلى الرغم من مشاهد المسرحية الساخرة إلا أنها قد نجحت ولا شك في تقديم صورة حية لواقع أصبحنا مقبلين عليه اليوم. قد لا يحمل تفاصيل المسرحية والتي كانت ضرورية لتعزيز المغزى الرئيس من وراء المسرحية، ولكنه يبقى واقعاً مشابهاً إلى حد كبير لنبؤات مسرحية “الكويت سنة 2000”.
لا شك أن المخضرمين من أبناء الوطن يتذكرون جيداً تلك المسرحية، ويذكرون كذلك كيف كان الكل يُباعد آنذاك بين ما طرحته من احتمالات وتكهنات وبين صورة المستقبل التي كانت تبدو يومها مشرقة لا تشوبها رمادية الشك والخوف كالتي تحاصرنا الآن!!
الحبكة في مسرحية “الكويت سنة 2000″، حيث يفرض علينا تدهور أسعار النفط وليس انتهائه أزمات ومشاكل لأسباب تعود مباشرة لافتقادنا لتلك الاستراتيجية المطلوبة في النظر إلى ما وراء الحاضر، والتخطيط لمستقبل قد لا يحوي مصادر دخل كالتي وفرها عصر الوفرة النفطية.
نحن جميعاً ندرك أن للنفط أهمية عالمية ستبقى لسنوات كثيرة مقبلة، وأن النفط كطاقة رخيصة نسبياً ومتوافرة سيبقى أمراً حيوياً مهماً لدول العالم كله. وهو ما يدفعنا كي نأمل بألا يزال في أيدينا تأجيل الفصل الأخير من مسرحية “الكويت سنة 2000″، أو حتى على الأقل التدخل في بعض مشاهده!! ففي كلمة وجهها السفير الأمريكي في الكويت إلى أعضاء جمعية مهندسي البترول، ما يشير إلى أن الصراع على النفط بين دول العالم الصناعية لم يحسم بعد على الرغم من السيطرة المباشرة لأمريكا على منابع النفط الخليجي، حيث يقول السير إن إدخال الشركات النفطية إلى الكويت تعتبر صفقة ناجحة للكويت وللشركات سيستفيد منها الجميع ولن يخسر أحد، بل ستستفيد الكويت سياسياً وأمنياً، وخصوصاً من خلال التعامل مع الشركات النفطية الأمريكية!!
حديث السفير الأمريكي مليء بالأرقام والإحصاءات التي تؤكد على دور النفط في العشرين عاماً المقبلة، على الرغم من محاولات الدول الصناعية للعثور على مصادر طاقة بديلة!! وإذا كنا قد فشلنا في استخدام النفط كسلاح سياسي لخدمة قضايانا، فإن أمامنا اليوم فرصة أخيرة لتسخير النفط لخدمة قضايا التنمية والنمو!! والذي لا نريد له أن يفشل كما فشل مشروع النفط السياسي من قبل!!
لقد تم تبديد الثروة النفطية بصورة مؤسفة، كما لو كان واجباً ثقيلاً علينا إنجازه والانتهاء منه. كما جرى استهلاك العوائد النفطية بشكل أناني بحت، لم يراع فيه حق الأجيال المقبلة من هذه الثروة الوطنية!! وبحيث أصبحنا الآن ومع مرور ما يقارب الخمسة عقود من النفط، عاجزين عن توفير الاحتياجات الأساسية للمواطن!! أو تحقيق ضمانات مستقبلية كاستحداث فرص عمل للشباب، أو الحفاظ على الرواتب والدعم الذي يضمن للفرد الكويتي هذا المستوى المعيشي، أو حتى في ضمان الأمن الاقتصادي للوطن بشكل عام!!
لقد أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً علينا جميعاً اليوم، هو كيف يمكن معالجة الأوضاع الراهنة بما تبقى من الثروة النفطية؟! والإجابة عنه ستبقى رهن جديتنا في استخدام العوائد النفطية، وفي رسم سياسات تنموية ناضجة تمتد بنا إلى المستقبل، وتعطي للأجيال المقبلة حقها من هذه الثروة الوطنية!! إن الخوف والقلق اللذين أصبحا يحاصرانا اليوم إثر انخفاض أسعار النفط (واليقظة) الحكومية المفاجئة إلى ضرورة البحث عن سبل أخرى للدخل سواء من خلال فرض ضرائب أو ترشيد في الإنفاق، إن دلت على شيء فإنما تدل على خلل في مفهوم التنمية وشروطها وآلياتها، وفي بناء الدولة والمجتمع بشكل عام!! والتي تأتي كمشاريع مستمرة ومدروسة، ولا يمكنها أن تكون ردود أفعال متشجنة وفورية!! إلا إذا كان واقعنا مطابقاً للخيال الفني، والحبكة المسرحية!! والتي يسيطر عليها عنصر المفاجأة بهدف التشويق والإثارة!!
