غير مصنف

المستقبل.. بين الأمن والتعليم

[جريدة الطليعة 7/7/1999]

هنالك ولا شك علاقة وثيقة بين الأمن والتعليم، فالمجتمعات الجاهلة هي دائماً ما تكون مجتمعات غير آمنة لأنها تفتقد للوعي المطلوب لتحديد شروط ومقومات الأمن داخلياً كان أم خارجياً!! بينما تتمتع المجتمعات المتعلمة بأمن واستقرار أكثر لأنها تكون أكثر قدرة على تحديد تلك الشروط والعمل من خلال مؤسسات الدولة على تفعيلها أو المطالبة والحرص عليها!! وقد أثار الدكتور “أحمد الخطيب” كلتا القضيتين في لقائه الذي عقده في مقر السيد “محمد الصقر” بل جعلهما القاسم المشترك في كل ما نعاني منه من أزمات ومشاكل إدارية أو سياسية أو اقتصادية!!
أشار الدكتور إلى الخطة المقدمة من وزارة التخطيط عام 1985 حول المطلوب لتقدم العملية التعليمية وعن الكليات المطلوبة، وهي الخطة التي وافق عليها مجلس الأمة وأصدرها بقانون ألغته فيما بعد الحكومة ولم تعمل على تنفيذه، مع ما يحمله ذلك من دلالات على عدم حرص وجدية الحكومة على النهوض بهذا الجانب المهم والحيوي في بناء الفرد والمجتمع!! والذي يؤكده عدم وجود جامعة حقيقية ببنائها وبدورها وعدم السماح بقيام جامعات أهلية تخدم الفرد والمجتمع والعلم!! لأن الحكومة وكما يقول الدكتور “الخطيب” لا تريد جامعة تعلم العلم بدل تعليم الجهل!!
وقد مزج الدكتور بين التعليم والأمن حين أكد على ضرورة استثمار الفرد الذي هو رأس مال أي مجتمع وأن الأمن الداخلي لا يعني مكافحة الجريمة وإنما هو في بناء الفرد وخلق الاستقرار والتلاحم بين أفراد المجتمع، كما أن الأمن الخارجي لا يعني جيشاً وقوات مسلحة بل إيجاد الدور الذي تلعبه الكويت لتكون عنصر سلام واستقرار وتقدم في المنطقة!! وما يدعو إلى الأسف حقاً أن الإهمال قد طال الأمن كما التعليم. بالصورة التي أصبحنا نعيشها الآن، والتي تضاعف أثرها وحجمها في أعقاب كارثة الغزو!! فتفاوتت درجة التسيب الأمني بين جرائم القتل والاغتصاب والمخدرات، وبين اختراق للقوانين، واقتحام المنازل والسرقات، وبين الاستعانة بجيش وحرس يشكل غير الكويتيين فيه ما يقارب 85 بالمائة، بالإضافة إلى الفساد والسرقات في المؤسسات الدفاعية والأمنية! أما التعليم فقد جاء نصيبه من الإهمال الذي تفاوت بين خلل في المناهج التعليمية، وفي الخطة التربوية في أعقاب الغزو والتي دشناها بسنة الدمج الكارثة، وفي التراجع المؤسف لمستوى الهيئة التعليمية!! أما الجامعة ومؤسسات التعليم العالي فقد كان نصيبها وافراً، يعاني منه الطلبة عند بدء كل موسم دراسي، ويتخبط الجميع في قرارات القبول وسياسات النسب المطلوبة، وتكفي الإشارة هنا إلى أن الأرقام الأخيرة الصادرة في أعقاب إعلان نتائج الثانوية العامة تقول إن عدد الطلبة الذين اجتازوا الامتحان بقسميه العلمي والأدبي يقارب 6500 طالب وطالبة، وأن عدد خريجي نظام المقررات 4 آلاف طالب وطالبة، أي أن عدد الذين هم في انتظار القبول في الجامعة والمعاهد يقارب عشرة آلاف وخمسمائة طالب وطالبة!! تستطيع الجامعة والمعاهد قبول ثمانية آلاف فقط، ليبقى بذلك 2500 طالب وطالبة بلا تعليم عال وبلا خطة تعليمية أو تأهيلية!! لا يمكن بناء مجتمع بلا أمن، ولا مستقبل بلا تعليم، وانهيار أي من هذين الركنين الأساسيين سينعكس مباشرة على الفرد والذي هو لبنة المجتمع الأساسية، وقوامه الأول والأهم!!
وبما أننا في هذا الوطن شأننا شأن أي مجتمع بشري آخر، نسعى إلى بناء مسقبل واعد وآمن!! فإن أية بداية أو بناء بغير التعليم والأمن أولاً ستكون بداية هشة تطيح بها أدنى رياح المتغيرات أو المستجدات التي أصبحت تعصف من حولنا!! ولنا في كارثة الغزو المؤسفة خير دليل وأبلغ تذكرة في ذلك.. إن نحن شئنا أن نتذكر ونتعظ!!
لكن الواقع وبكل أسف لا يقول إننا قد اتعظنا أو تعلمنا!! وفي رد وزير الدفاع على ما أفاد به الدكتور “الخطيب” في ندوته من حقائق ما يؤكد ذلك!! حيث إن الدكتور في حديثه عن أهمية إعادة النظر في مفهومنا للأمن، استشهد بواقع الجيش الكويتي الذي يضم عدداً كبيراً من غير الكويتيين أو غير محددي الجنسية.
وذلك بلا شك واقع خطير، كان الدكتور “الخطيب” يرمي من وراء إثارته، التأكيد على ضرورة إعادة النظر في برامجنا وخططنا الأمنية!! غير أن رد وزير الدفاع كان في إنكار ذلك تماماً، على الرغم من أن تلك المعلومات قد جاءت من مضابط جلسات مجلس الأمة، حيث جاءت كرد من الوزير على سؤال برلماني في 1997 قال فيه: “إن عدد العسكريين ممن ثبتت عليهم تهمة التعاون مع قوات النظام العراقي الغاشم من غير محددي الجنسية والجنسيات الأخرى بلغ 3944 عسكرياً”.
قد لا نكون بحاجة إلى شهادة كالتي أدلى بها الدكتور “الخطيب” لتؤكد لنا مدى التراجع في الأمن والتعليم بعد أن أصبح ذلك واقعاً مؤسفاً نعيه وندركه في كل يوم!! فلا وطن بلا أمن، ولا مستقبل دون تعليم وعلم!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى