الأرشيف

المرجعية الوطنية الثابتة

[جريدة الطليعة 10/6/1998]

في زخم كل هذه المستجدات التي بدأت تلوح في سماء المنطقة مؤخراً، والتي تطالنا مباشرة نحن في هذا الوطن، يبقى قرارنا صامتاً، وتبقى المبادرة مفقودة!! وتستمر العاطفة مسيطرة على مزاجنا السياسي، على الرغم من كل ما تتطلبه السياسة من عقلنة ومن دراسة جيدة للأوضاع المستجدة وللمتغيرات!!
في أعقاب كارثة غزو النظام العراقي للوطن، لعبت العاطفة دوراً رئيسياً في رسم استراتيجية الدولة، وخرجت مصطلحات وتسميات متشنجة إلى حد كبير (كدول الضد) وغيرها!! وعلى الرغم من الاستياء والتحذير الذي عبر عنه الكثير من أبناء هذا الوطن، من مغبة الخلط بين العاطفة والسياسة، إلا أن ذلك وللأسف الشديد لم يمنع من أن تكون روح العاطفة المتطرفة مسيطرة على جهازنا الإداري والإعلامي والتعليمي!! بصورة أفقدتنا الكثير من ملامح النضج والحنكة السياسية!!
اليوم هنالك لهجة سياسية جديدة، وتغير في استراتيجية دولية، خلناها ولمدة طويلة، استراتيجية أبدية ودائمة!! اليوم الاستراتيجية الأمريكية تتحدث عن أدوات معركة جديدة، فيعلن الخبير الأمريكي والمدير المشارك في مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية في واشنطن، يعلن أن أمام الكويت اليوم حرباً دبلوماسية للدفاع عن أمنها الوطني، مشدداً على ضرورة أن يكون هنالك نهج عربي متماسك في التعامل مع “صدام حسين”!! ويذكر قائلاً: “أن يكون لديكم استراتيجية فإن ذلك أهم بكثير من الاعتماد على التاريخ”. انتهى.
ولعلّ ذلك الخبير الأمريكي قد وضع يده مباشرة على بيت الداء، وأساس أزماتنا وإخفاقاتنا!! فالوطن بأكمله، سواء كان ذلك قبل الغزو أو بعده، لا يملك استراتيجية واضحة ومحددة، فكل ما هنالك لا يتعدى كونه ردود أفعال توجبها أحداث مرحلية، وهي في أغلبها مؤقتة!! لذا، فلا عجب أن تنافس الدولة بمؤسساتها رجل الشارع في انفعالاته العاطفية، وردود فعله الآنية تجاه الأحداث السياسية!! ففي ظل غياب استراتيجية واضحة ومحددة، فإن العقل دائماً ما يكون في مرحلة سكون، ويصبح القلب هو المتحدث الرسمي والحكم الوحيد!!
غياب الاستراتيجية إذاً كان دائماً عنوان الخلل في أدائنا السياسي والإداري!! وإذا كانت أوضاع الوطن وظروف المنطقة بشكل عام وفي ظل معطيات سياسية سابقة أقل حرجاً وحساسية من الظروف الحالية، قد خففت من وطأة وآثار ذلك الخلل الاستراتيجي!! فإننا اليوم سواء في هذا الوطن أو في منطقة الخليج بشكل عام، أمام تقلبات ومناخ سياسي حرج ومتأزم، يفرض علينا الخروج من حالة الغيبوبة هذه، والتحرك وفق مخطط واضح، واستراتيجية مستقبلية تُضيء الطريق أمامنا!! وتجعلنا نتعامل مع التغييرات من حولنا بصورة أكثر سلاسة وثقة!! ولعل أهم تلك التحولات التي نشهدها اليوم، هي في ذلك التبدل الواضح في لهجة (الحليف الغربي) وبالتحديد الولايات المتحدة تجاه منطقة الخليج بشكل عام، والكويت بصفة خاصة!! وهو تبدل يأتي في إطار الاستراتيجية الأمريكية الثابتة، والتي تنص في أولوياتها على ضرورة التواجد سياسياً وإدارياً في مناطق النفط، وتبقى تفاصيل وأساليب ذلك التواجد وأسبابه عرضة للتبدل، دون المساس بجوهر الاستراتيجية النهائي!!
واليوم الولايات المتحدة تتحدث وبصراحة أكثر عن (عجزها) عن تبرير تواجدها العسكري في الكويت سياسياً، وبحيث أصبحت تثير في أكثر من موقع حاجتها إلى مبررات أخرى تضمن لها تفسيراً مقبولاً ومنطقياً أكثر، لذلك الحضور الأمريكي في المنطقة!! ففي حديث للسفير الأمريكي في الكويت، وفي الجمعية الاقتصادية الكويتية، قال فيه: “لقد أخذت الولايات المتحدة على نفسها عهداً راسخاً بالمحافظة على أمن الكويت الإقليمي لكن الكويت وحدها هي المسؤولة عن ضمان أمنها الاقتصادي، فالأمن ضد العدوان الخارجي يشكل عاملاً من عوامل الأمن للدولة ولكن يجب تدعيمه بالأمن الاقتصادي”.
والسفير الأمريكي يؤكد هنا في حديثه أن الإدارة الأمريكية تحث السفارة الأمريكية في الكويت على ضرورة أن يكون للإدارة الأمريكية موقف من تردي الأوضاع الاقتصادية في البلد تفادياً لأثارها السياسية مستقبلاً!!
من المؤكد أن هذه اللهجة الأمريكية الجديدة ستجر معها وستفرض تحولات وتبدلات في سياسات أخرى كثيرة ليس بالضرورة أن تكون اقتصادية بحتة!! وكلها ستتطلب تعاملاً، يجب أن يكون في إطار استراتيجية واضحة لا ردود فعل آنية ومؤقتة!! وهو بالتأكيد ما نفتقده في هذا الوطن!! بدليل ذلك الانشقاق الواضح في التعامل مع قضايا سياسية، كقضية العلاقة مع الدول التي ساندت الغزو على سبيل المثال. وهو انشقاق واختلاف ما كان له أن يحدث لو أن الأطراف المختلفة فيه قد احتكمت واستندت إلى استراتيجية واحدة وثابتة، ومرجعية وطنية محددة، تبيح لنا الاختلاف بصورة تعزز خطواتنا لا بالصورة التي نعيشها الآن والتي تتداخل فيها اعتبارات شخصية، واختلافات مرحلية… بعيدة كل البعد عن استراتيجية مرجعية وطنية ثابتة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى