الأرشيف

المرأة ليست جارية

[جريدة القبس 21/12/2004]

سنحت لي الفرصة أخيراً لأن أشاهد أجزاء من لقاء أجرته مذيعة أمريكية مشهورة مع سيدة كويتية، وذلك بعد أن أرسله لي صديق عبر البريد الإلكتروني.
في هذا اللقاء تحدثت السيدة الكويتية عن بذخ المرأة الكويتية ورفاهيتها وأناقتها، مع تقديم البرنامج لمشاهد تصور بعض السيدات الكويتيات يتسوقن في أحد المحلات الشهيرة بالماركات العالمية، مع تركيز على بعض الأسماء اللامعة والغالية جداً من دور الأزياء والملابس العالمية! ولم يفت السيدة الكويتية أن تذكر حضور البرنامج بأن المرأة الكويتية محظوظة لأنها تستطيع أن تتسوق ببذخ وأن تجهز فستان فرحها عند أشهر بيوت الأزياء، وأن لا شيء ينقصها إلا حق التصويت في مجلس الأمة!
ثم يستعرض البرنامج صوراً لبيت السيدة الفخم بحمام السباحة وصالة الرياضة وساحة التنس والسينما وغير ذلك من رفاهية بلا حدود!
بعض الذين شاهدوا البرنامج، عبروا عن غبطتهم باستضافة برنامج مشهور كهذا لسيدة كويتية، لكن ذلك البعض لا يشكل الأغلبية التي رأت في اللقاء تركيزاً مبالغاً فيه على رفاهية المجتمع الكويتي التي هي بلا حدود!
تتميز الكويت كدولة وكمجتمع بمستوى معيشي معقول، حيث يتمكن المواطن فيه من تلبية احتياجاته الأساسية، سواء عن طريق دخله الوظيفي أو بواسطة التسهيلات التي توفرها المؤسسات التجارية أو البنوك من قروض وأقساط وغيره، وهذه هي حال الأغلبية في المجتمع الكويتي، التي لا تتسوق من باريس، ولا ترتدي بالضرورة الماركات العالمية باهظة الثمن، والتي صورتها السيدة الكويتية في ذلك اللقاء، بكونها السمة العامة للمرأة والفتاة الكويتية.
بنظري وبنظر الكثير ممن لا يملكن رفاهية تلك السيدة الفاضلة، فإن اللقاء التلفزيوني أساء للمرأة وللفتاة الكويتية لأنه صورها ككيان هامشي سطحي، لا هم لها إلا اقتناء الحقائب الغالية، وارتداء الملابس الثمينة، والتردد على دور الأزياء العالمية، وتلك صورة قاتمة ومؤسفة للمرأة في أي مكان أو مجتمع، وإذا ما طغت أو ظهرت في مجتمع ما، فإن دور المرأة الحقيقي يكون في نقدها ونبذها ومحاربتها، وليس في التشدق بها، والحديث عنها بغبطة وفخر، وكما جاء في ذلك اللقاء التلفزيوني الذي ضم سيدتنا الفاضلة مع إحدى أشهر مقدمات البرامج الحوارية في الإعلام الغربي!
في إحدى فقرات الحوار، ذكرت تلك السيدة أن المرأة الكويتية محظوظة، فهي تملك كل شيء إلا حقها السياسي في الترشيح والانتخاب، ولا نعلم إذا كانت تلك السيدة تجهل أو تتجاهل كل الحقوق المهضومة للمرأة الكويتية اجتماعياً ووظيفياً وكل ما تعاني منه من تفرقة وتمييز في القوانين بدءاً بقانون الأحوال الشخصية ووصولاً إلى قوانين الترقية الوظيفية!
وهل تعلم سيدتنا الفاضلة أن هنالك وظائف محظورة على المرأة في الكويت، وأن هنالك سيدات يعانين من ظلم واضطهاد أسري يعجز قانون الأحوال الشخصية بصيغته الحالية عن رفع الظلم عنهن؟
قد لا نلوم هذه السيدة الكويتية كثيراً، فحقوق المرأة الكويتية أصبحت في نظر الكثيرين مقتصرة فقط على حقوقها السياسية، وبصورة أغفلت في هذا السياق كل حقوقها المجتمعية الأخرى، وأروقة المحاكم تحوي أمثلة كثيرة على انتهاكات لحقوق المرأة تفوق في أثرها حجب الحق السياسي عليها!
وإذا كانت ظروف البرنامج وطبيعته قد جعلت من الصعب على سيدتنا الفاضلة عرض مشاكل المرأة الكويتية، واستعراض بعض أوجه الانتهاك لحقوقها المجتمعية والوظيفية، فإن ذلك لا يعني أن تعميم صورة المرأة الكويتية المرفهة والغارقة في أروقة الماركات العالمية، هو المخرج الوحيد والمناسب لرسم صورة للمرأة في الكويت وعلى شاشة الإعلام الغربي، الذي مازال ينظر للمرأة العربية بشكل عام كجارية في قصر هارون الرشيد.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى