
يعتبر العنصر البشري في كل المجتمعات أهم ثروات الدولة على الإطلاق، فمهما بلغت العوائد المالية، فإنها تبقى على درجة أقل أهمية مقارنة بالثروة البشرية والتي لا يمكن لمجتمع أن يقوم بدونها!
وللمجتمعات البشرية خاصية في النمو لا تختلف عن خاصية نمو الجسم البشري! فكما أن الجسم يكبر وينمو، وتتشكل تبعاً لذلك احتياجات جديدة، يفرضها شكل مرحلة النمو الجديدة وطبيعتها فإن المجتمعات البشرية هي الأخرى تنمو وتتوسع، مما يتطلب تغييراً أو تبديلاً يتلاءم وظروف كل مرحلة تخطو فيها تلك المجتمعات!
وإذا كان النمو في الجسم البشري يخضع لعوامل بيولوجية بحتة، وقوانين طبيعية من الصعب التدخل في مساراتها، فإن أطوار النمو في المجتمعات البشرية تحكمها ظروف أخرى كالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهكذا.
وكلها ظروف تدفع المجتمع إلى التحول والتغيير، مما يعني أن هنالك حاجة مستمرة لملاءمة قوانين وتشريعات المجتمعات البشرية بصورة تتوافق مع ظروف نموها! الكويت شأنها شأن كل المجتمعات البشرية عبرت بمراحل تمدد ونمو اقتصادي وسكاني وسياسي، وقد سعت الكويت كدولة وعبر مراحل تشكلها لملاءمة قوانينها وتشريعاتها مع ظروف النمو الحتمي، ولعل من أبرز تلك القوانين التي شهدت جدلاً ونقاشاً طويلين هو قانون الجنسية الصادر في عام 1959، الذي ينظم الجنسية الكويتية تنظيماً مفصلاً وفقاً للقوانين المعمول بها في البلاد المتحضرة!
قانون الجنسية الكويتي، شأنه شأن كل القوانين الوضعية، يثار حوله الجدل بين الحين والآخر، ولعل أكثر المفاصل الجدلية في هذا القانون، ما يتعلق بالفئة المتجنسة من الكويتيين، والتي يقارب حجمها %30 من السكان. هذه الفئة وكما هو معلوم للجميع تقع في أسفل السلم السياسي، من حيث حقوق الانتخاب والترشيح، وأيضاً تقلد بعض المناصب الحساسة، وهي فئة تتميز غالباً بدرجة عالية من الثقافة، ولا يشك في ولائها للكويت أي وطني مخلص!
تجربة الغزو كانت مرحلة مفصلية لما يتعلق بالوضع السياسي لفئة المتجنسين، فهم في نهاية الأمر أبناء الكويت الذين ولدوا وترعرعوا وارتبطوا بها، مما دفع مجلس الأمة إلى الموافقة على قانون في عام 1994 يعتبر كل شخص ولد من أب كويتي، بغض النظر عن مادة جنسيته وأصوله، كويتياً بالتأسيس ويحق له الحصول على كافة حقوقه السياسية!
لكن هذا القانون لم يكن ليحسم مشكلة المتجنسين خاصة من الأرامل والمطلقات اللاتي أنجبن أبناء من غير كويتيين! فأبناء هذه الفئة وطبقاً للقانون، غير مؤهلين للحصول على الجنسية الكويتية! وبالتالي فهم يعتبرون شبه مواطنين! مع كل ما تعنيه أوضاعهم هذه من معاناة نفسية واجتماعية! وملفات وزارة الداخلية مملوءة بمطالبات لأرامل ومطلقات متجنسات يناشدن الدولة أن تبت في مطالباتهن وتضع حداً لمعاناتهن ومعاناة أبنائهن معهن!
وقد استبشر هؤلاء خيراً حين خرج هذا العام 2004 قانون رقم 33 بشأن تعديل المادة 6 مكرر من قانون الجنسية والذي ينص كالتالي: “يجوز بمرسوم، بناء على عرض وزير الداخلية، منح الجنسية الكويتية للأبناء الراشدين للمتجنس وقت كسب والدهم الجنسية الكويتية وكذا للراشدين من أحفاد المتجنس من أولاده الذكور إذا توافرت فيهم الشروط المنصوص عليها في البنود 2، 3، 4 من المادة الرابعة من هذا القانون وكانوا قد حافظوا على إقامتهم العادية في الكويت مدة لا تقل عن خمسة عشر عاماً قبل تاريخ صدور مرسوم منحهم الجنسية، كما يجوز منح الجنسية الكويتية للقصر من أحفاد المتجنس من أولاده الذكور المتوفى عنهم والدهم قبل منح الوالد هذه الجنسية الكويتية، على أن تقدم طلبات ناقص الأهلية ممن يمثلهم قانوناً”.
لكن هذا القانون وبكل أسف، أسقط حصة المرأة المتجنسة من هذا الحق، وجعل الخطوة في تجنيس الأبناء من حق الرجل فقط! وهو أمر يتعارض مع مبدأ المساواة بين الجنسين، والذي نص عليه الدستور الكويتي، بالإضافة إلى كونه يغفل دور المرأة في تنشئة واحتواء الأبناء، وهو واقع تحدثنا به وكل يوم تفاصيل الحياة والشؤون الكويتية اليومية!
لا نريد لهذا المقال أن يتحول إلى مقال دفاعي عن حقوق المرأة الاجتماعية والقانونية قبل السياسية وإنما هو دعوة أوجهها لمعالي وزير الداخلية الذي شهد قانون الجنسية على عهده تعديل المادة السابعة بينما تنتظر كل أرملة ومطلقة مساعيه الجادة والحاسمة التي ستنهي سنوات طويلة من المعاناة مع أبناء شارفوا على الدخول في معترك الحياة ولكن بدون هوية ثابتة!
